(أصداء سودانية) تبحث عن الأسباب الحقيقية لـ(طوفان) جبل أولياء
- مواطنو القرى الغارقة: ما حدث ليس (فيضان) بل (طوفان)
- الكاتب عبدالله الجنايني: هذا ما يحدث في حالة إنهيار خزان جبل أولياء
- خبراء الري والسدود: الدعم السريع المسوؤل الأول والأخير عن هذه الكارثة
- فني بالخزان: نستبعد عامل ارتفاع منسوب بحيرة فكتوريا لإنتهاء الخريف
- الخبير محمد عبد الرحيم: ورود كميات كبيرة من بحيرة فيكتوريا تسبب في الفيضان غير المسبوق
تحقيق- التاج عثمان
الطوفان الذي أغرق مئات القرى والمدن والمزارع وتسبب في إنهيار آلاف المنازل ونفوق مئات الأنعام بولاية النيل الأبيض الشهر الماضي يعد الأقوى والأغرب في تاريخ الكوارث الطبيعية في السودان, ورغم أن وسائل الإعلام المحلية والعالمية أطلقت عليه فيضان لكنه حقيقة ليس (فيضان) بل هو(طوفان) أو تسونامي.. التحقيق التالي يزيل الكثير من علامات الإستفهام عن الأسباب الحقيقية لهذه الكارثة
فيضان ام طوفان:
ما حدث لقرى النيل الأبيض تسونامي بحق وحقيقة وليس باي حال من الأحوال فيضان، فمعروف أن النيل الأبيض يفيض عادة في موسم الأمطار خلال الشهور: (يوليو ــ أغسطس ــ سبتمبر)، ويبلغ ذروته في أغسطس من كل عام لتدفق الأمطار ببحيرة فكتوريا بيوغندا والتي تغذي النيل الأبيض بكميات كبيرة في الخريف, قياسا على ذلك ينتفي عامل الفيضان والذي تسبب في غرق مئات قرى ومدن النيل الأبيض, وعلى ذلك على الجهات الفنية الرسمية في الدولة وخبراء السدود توضيح السبب الحقيقي، فما حدث بالجزيرة أبا وبقية المناطق الأخرى بولاية النيل الأبيض (فيضان) بل (طوفان).
هكذا تحدث لي أحد مواطني الجزيرة أبا ــ فضل حجب إسمه ــ والتي وصفها في حديثه لـ(أصداء سودانية)، بـ(الجزيرة المنكوبة), الرأي السابق لمواطن الجزيرة أبا أجمع عليه تقريبا كثير من مواطني المدن والقرى المتأثرة بغمر المياه والواقعة شمال وجنوب سد جبل أولياء، وهي كمثال: (الجزيرة أبا ــ القطينة ــ الدويم ــ الشوال ــ الدبيبات ــ المرابيع ــ ود اللبيح ــ شيكان ــ شبشه ــ الكوة ــ الطويلة ــ قلي ــ الفشاشوية ــ أبو شاتين ــ وأجزاء من كوستي).. مئات القرى وجد سكانها دون سابق إنذار أنفسهم ومنازلهم وأنعامهم وممتلكاتهم تحت رحمة تسونامي سوداني غير مسبوق.
ضبابية الأسباب:
ما هي الأسباب الحقيقية التي تسببت في الكارثة المائية بولاية النيل الأبيض؟, حقيقة بمتابعتنا لهذه القضية وتفاعل الآراء الواردة في التحقيق إتضح أن هناك ضبابية تحجب العوامل الحقيقية لهذا الطوفان.. فالبعض يجزم ان السبب يعود لمليشيا الدعم السريع والتي سيطرت في نوفمبر 2023 على منطقة جبل أولياء العسكرية ومعروف أن بها قاعدة عسكرية تابعة للجيش السوداني، كما سيطرت على السد، وبالتالي أخلى المهندسين والفنيين الذين كانوا يعملون في إدارة السد والإشراف على البوابات ومناسيب المياه, وبدأت الكارثة عندما قامت مليشيا الدعم السريع بإغلاق البوابات ما تسبب في ارتفاع مناسيب المياه فغمرت المياه الهادرة المناطق الواقعة شمال وجنوب السد, واثناء إعدادنا لهذا التحقيق الصحفي نما إلى علمنا أن المليشيا التي تسيطر على خزان جبل أولياء قامت بفتح أبواب الخزان لتمرير المياه، إلا أننا صراحة لم نستطع التأكد من المعلومة، ولكن حتى لو قامت مليشيا الدعم السريع بذلك إلا أنه قرار متأخر جاء (بعد غرق مالطا)، تحريفا للقول المأثور: (بعد خراب مالطا).
وبحسب ما صرح به وزير البنية التحتية ولاية النيل التبيض الطيب محمد الحسن في بيان أصدره عقب الكارثة المائية: (مناسيب النيل الأبيض تجاوزت معدلات مناسيب الإرتفاع الطبيعية، حيث لم يشهد مثيلا لها طيلة السنوات الماضية).
الجيش السوداني وبعض خبراء الري والسدود من جانبهم حملوا المسوؤلية الكاملة في غمر المياه لمناطق وقرى جنوب وشمال الخزان إلى مليشيا الدعم السريع خاصة بعد إستهدافهم للطاقم الفني العامل في السد وإجبارهم على مغادرة مواقعهم.. علما أن المليشيا قتلت 9 مهندسين وفنيين وعاملين بالسد عند إقتحامها لمنطقة جبل أولياء العام الماضي.
إتهام باطل:
مليشيا الدعم السريع من جانبها تبرأت من مسوؤليتها عما حدث متهمة الجيش بشن غارات جوية منذ سيطرتهم على المنطقة العسكرية بجبل أولياء، بجانب القصف المدفعي لإرتكازات المليشيا بالمنطقة ومن ضمنها السد بهدف تدميره ــ حسب قولها ــ نافية تسببها في إغراق مدن وقرى النيل الأبيض متهمة أن ذلك يهدف لتشويه سمعتها.. ونتسائل هنا: أي سمعة تلك التي تتحدث عنها المليشيا المتمردة، وهل تبقى لها سمعة، فكل العالم يعلم تماما بالأدلة والبراهين القاطعة ما قامت به تجاه أهل السودان من قتل، ونهب، وترويع، وإغتصاب، وقهر، وإذلال، والتدمير الممنهج للبنية التحتية وكل أنواع الجرائم الأخرى التي يعرفها كل العالم, وبالطبع تبرير المليشيا السابق غير صحيح فمعروف أن الجيش قام بعملية محدودة في الخزان تتعلق بالرافعات وذلك لإغلاق الطريق أمام المليشيا والتي إتخذت من السد معبرا لنقل منهوبات المواطنين ولإدخال الذخيرة والتموين الخاص بها للخرطوم، فما تدعيه المليشيا بإلصاق تهمة طوفان النيل الأبيض للجيش إتهام باطل.
وما يثبت عدم مصداقية مليشيا الدعم السريع ومحاولة تبرئة نفسها من الكارثة، فإن متابعات الصحيفة تشير إلى أنه رغم مناشدات الناشطين والمنظمات الإنسانية العالمية للدعم السريع السماح للمهندسين والفنيين السودانيين العودة إلى عملهم لإدارة السد وفتح البوابات لتمرير كميات المياه الضخمة حتى تنحسر المياه من المناطق الغارقه وحتى لا تغمر مساحات أخرى، إلا أنها رفضت دخول المهندسين والفنيين للسد، رغم المعلومات غير المؤكدة التي تشيرإلى أن المليشيا قامت مؤخرا بفتح أبواب الخزان الميكانيكية القديمة، فعمر خزان جبل أولياء 87 سنة، حيث أنشئ عام 1937م.
بحيرة فكتوريا:
خبير المياه محمد عبد الرحيم الذي تحدث للجزيرة نت له رأي آخر في طوفان النيل الأبيض، بقوله:(سبب ما حدث ورود كميات كبيرة من المياه الواردة من بحيرة فكتوريا باوغندا منذ منتصف ديسمبر الماضي والتي بلغ حجمها أكثر من ضعف كمية المياه المعتادة في العام الماضي، بجانب عدم تقوية الجسور الترابية الواقية للقرى الواقعة على ضفاف النيل الأبيض، ويعد ذلك من الأسباب الرئيسية للكارثة, بجانب غياب المهندسين والفنيين الذين كانوا يديرون أنظمة الخزان بما فيها البوابات, ومن الأسباب أيضا الزيادة الكبيرة في المياه بالنيل الأزرق بسبب توقف غالبية المشاريع الزراعية بمشروعي الجزيرة والمناقل، وغيرها من المشاريع المروية من أخذ حصتها من مياه الري بسبب الحرب، تسبب ذلك في إنحباس للمياه عند مقرن النيلين الأزرق والأبيض ما تسبب بدوره في زيادة مياه النيل الأبيض وإرتدادها لقوة جريان النيل الأزرق.
أحد الفنيين الذين كانوا يعملون بسد جبل أولياء وغادره بعد إستيلاء المليشيا عليه، يرى أن إرتفاع مناسيب المياه جنوب السد تسبب في إنهيار السدود الترابية الممتدة لأكثر من 200 كيلو متر حيث انها هشة لعدم صيانتها خلال العامين الماضيين بسبب الحرب, ومن جانبه إستبعد عامل ارتفاع منسوب بحيرة فكتوريا التي ينبع منها النيل الأبيض مفسرا: نحن الآن في آواخر ديسمبر ما يعني إنتهاء فصل الخريف سواء في يوغندا او السودان, وعن إمكانية قوات الدعم السريع بإغلاق وفتح أبواب الخزان قال:(هذا ممكن حيث أن أبواب خزان جبل أولياء تفتح وتغلق بالأيدي ولا تحتاج لتكنلوجيا أو آليات معقدة).
حكومة النيل الأبيض:
سلطات حكومة ولاية النيل الأبيض تؤكد أن سبب غمر النيل الأبيض لمئات مدن وقرى الولاية سببه الأول والأخير إغلاق مليشيا الدعم السريع بوابات السد ما تسبب في الكارثة, وحسب ما ذهبت إليه حكومة الولاية فإن المليشيا قامت بإغلاق 40 بابا من جملة بوابات السد البالغة 50 منها 10 بوابات إحتياطية.
وحسب لجنة الطوارئ الإنسانية التي يترأسها والي ولاية النيل الأبيض عمر الخليفة فإن عدد المتضررين من الفيضان بلغ حوالي 16 ألفا، بينما وصل عدد النازحين لنحو 380 ألف نازح.
هل ينهار الخزان؟
ماذا يحدث لو إنهار سد جبل أولياء كما حدث لسد اربعات شمال مدينة بورتسودان قبل حوالى شهر بسبب الأمطار الغزيرة التي هطلت هناك؟, د. عبد الله محيي الدين الجنايني أجاب على هذا السوال الذي كان قد طرحه في مقال له ما تم نشره بصحيفة (أصداء سودانية) الإسبوع الماضي، بقوله:
إذا إنهار خزان جبل أولياء نتيجة عدم فتح البوابات والذي تسبب في ضغط هائل للمياه فستكون العواقب وخيمة, ستتدفق كميات هائله من المياه بسرعة كبيرة مشكلة موجة عاتية ستجتاح المناطق الواقعة على ضفاف بحيرة الخزان جنوبا لتغمر المياه المدن والقرى والمشاريع الزراعية متسببة في دمار الآف المنازل، ما يؤدي إلى تلوث مياه نهر النيل بكميات كبيرة من الرواسب والتربة وذلك يؤثر على إمدادات المياه.. وسوف تتكبد البلاد خسائر اقتصادية فادحه.. تجاهل هذه المشكلة سوف يعرض الآف المواطنين والإقتصاد للخطر.