آخر الأخبار

شائعة هزت البيوت والعقول.. كيف صنعت النخب المضلِّلة خوف السودانيين في مصر؟

 

عمرو خان

*في الأيام الأخيرة، لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتفاعل أو تبادل الرأي، بل تحولت – في بعض الزوايا المعتمة منها – إلى غرف مغلقة لإنتاج الخوف وتدوير الشائعات وبث الذعر داخل مجتمع يعيش أصلًا تحت ضغط الحرب والنزوح وعدم اليقين.. الحديث هنا عن موجة المنشورات التي استهدفت السودانيين المقيمين في مصر، وروّجت لرواية مفادها وجود (تربيطات) واتفاقات خفية بين الحكومتين المصرية والسودانية لتضييق الخناق على السودانيين، ودفعهم قسرًا – ولكن تحت مسمى (العودة الطوعية) – إلى السودان

اللافت في هذه الحملة أنها لم تقف عند حد التحليل السياسي أو النقد المشروع لسياسات الهجرة والإقامة، بل انزلقت سريعًا إلى مربع الادعاء الصريح والافتراء، متهمة الأجهزة الأمنية المصرية بشن مداهمات للمنازل، وترويع الأسر، والتعمد في إساءة معاملة أبناء الجالية السودانية.. اتهامات كبيرة وخطيرة، قُدّمت للرأي العام بلا دليل موثق، ولا شهادة قانونية، ولا حتى حد أدنى من المهنية التي تفرض التمييز بين الوقائع والانطباعات.

*الأخطر من مضمون هذه الشائعات ليس فقط أثرها النفسي على آلاف الأسر السودانية المقيمة في مصر، بل طبيعة من قاموا بترويجها.. فالمشهد لم يكن حكرًا على حسابات مجهولة أو ناشطين هواة، بل شارك فيه – للأسف – صحفيون وإعلاميون محسوبون على النخب الثقافية في مصر والسودان.. أشخاص يفترض فيهم الوعي بطبيعة العلاقات التاريخية بين البلدين، والإدراك العميق لحساسية اللحظة، والمسؤولية الأخلاقية للكلمة في أوقات الأزمات ومع ذلك، اختار بعضهم الطريق الأسهل: منشور انفعالي، تحليل كسول، ولغة مشحونة بالاتهام.

*هذا السلوك يعكس، بوضوح لا لبس فيه، عقمًا فكريًا وضلالًا تحليليًا.. عقمًا يتمثل في العجز عن قراءة المشهد في سياقه الكامل، وضلالًا يظهر في القفز إلى استنتاجات كبرى انطلاقًا من وقائع جزئية أو روايات منقوصة أو حتى مختلقة.. فبدلًا من طرح أسئلة منطقية حول سياسات الهجرة، أو التفريق بين تطبيق القانون على المخالفين واستهداف جماعي لجالية بعينها، جرى تعميم الاتهام وتحويله إلى سردية عدائية تضرب في عمق العلاقات المصرية السودانية.

*ومن المثير للسخرية المؤلمة أن بعض من روّجوا لهذه المزاعم يرفعون دائمًا شعارات العقلانية والتنوير، ويتحدثون عن مقاومة خطاب الكراهية لكنهم، عند أول اختبار حقيقي، ساهموا في إنتاج خطاب تخويف وتحريض، يقوم على تصوير الدولة المصرية كخصم، والأمن المصري كأداة قمع موجهة ضد السودانيين، دون اعتبار لحجم التشابك الاجتماعي، والامتداد الإنساني، والتاريخ الطويل من الاستضافة والتداخل بين الشعبين.

*إن خطورة هذا النهج لا تكمن فقط في كونه مضللًا، بل في كونه قابلًا لإشعال الفتنة.. آلاف المتابعين يقرأون هذه المنشورات، يعيدون نشرها، يضيفون إليها، فتتحول الشائعة إلى (حقيقة متداولة)، ويصبح نفيها لاحقًا مهمة شبه مستحيلة.. وهنا تنتقل المسؤولية من مجرد رأي شخصي إلى فعل عام له تبعات سياسية وأمنية واجتماعية.

*لا أحد ينكر أن هناك قوانين للهجرة والإقامة تُطبق، ولا أحد يدعي أن أي دولة في العالم تدير هذا الملف بلا أخطاء.. لكن الفرق شاسع بين النقد المسؤول المبني على معلومات، وبين صناعة روايات تخويف تُستخدم وقودًا للمزايدات السياسية أو لتصفية حسابات أيديولوجية.. والفرق أوضح بين الدفاع عن حقوق اللاجئين والمقيمين، وبين استغلال معاناتهم لإنتاج محتوى رائج على منصات التواصل.

*في النهاية، ما جرى خلال الأيام الماضية ليس مجرد (زوبعة إلكترونية)، بل اختبار حقيقي لوعي النخب ودور الإعلاميين والمثقفين في لحظات التوتر.. اختبار فشل فيه البعض بامتياز، حين اختاروا أن يكونوا جزءًا من المشكلة لا من الحل فالكلمة، حين تُفصل عن العقل، لا تصبح أداة تنوير، بل سلاحًا أعمى يضرب الجميع بلا تمييز.

*كاتب صحفي مصري