
حرب الخليج المشتعلة.. كيف تعيد رسم مسار الحرب في السودان؟
عمرو خان:
*لم يعد المشهد في الخليج مجرد صراع عسكري محدود أو جولة جديدة من التوتر التقليدي بين القوى الإقليمية والدولية. فالتعقيدات المتشابكة التي تحكم هذا الفضاء الجغرافي تجعل من أي شرارة عسكرية حدثًا يتجاوز حدوده المباشرة، ليعيد تشكيل موازين القوى والتحالفات في مناطق واسعة من الشرق الأوسط وأفريقيا.
*الخليج اليوم ليس مجرد ساحة صراع، بل عقدة مركزية في شبكة علاقات سياسية واقتصادية تمتد عبر الإقليم. فمنه تمر خطوط الطاقة، ومن خلاله تتحرك سلاسل الإمداد العالمية، وعبره تتشكل كثير من التحالفات التي تؤثر في توازنات المنطقة. ولذلك فإن أي اضطراب عسكري في هذه المنطقة لا يتوقف أثره عند حدود المواجهة، بل يمتد ليطال مسارات التجارة والنقل والاقتصاد العالمي، ويعيد ترتيب أولويات الدول الفاعلة.
*في ظل هذا المشهد، تبرز أسئلة تتجاوز الخليج نفسه، لتصل إلى ساحات صراع أخرى تعيش أزماتها الخاصة. ومن أبرز هذه الساحات السودان، الذي يخوض منذ أبريل 2023 حربًا دامية بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع، حربًا تحولت مع مرور الوقت إلى واحدة من أعقد الأزمات السياسية والإنسانية في المنطقة.
*السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما أثر الحرب المشتعلة في الخليج على مسار الحرب في السودان؟
قد يبدو السؤال للوهلة الأولى مفتوحًا على احتمالات واسعة، وربما يصعب تقديم إجابة قاطعة له.. لكنه في الحقيقة ليس مجرد سؤال تحليلي، بل يشبه (لغمًا سياسيًا) يكشف عن شبكة معقدة من التداخلات الإقليمية.. فالأطراف التي تلعب أدوارًا مؤثرة في المشهد السوداني ليست بعيدة عن مسرح الصراع الأوسع في الخليج، بل إن بعضها بات طرفًا مباشرًا أو غير مباشر في التوترات القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
*هذه الحقيقة تفتح الباب أمام قراءة مختلفة لمسار الحرب في السودان، فالتفاعلات الجارية في الخليج قد تؤدي إلى إعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية المنخرطة في الملف السوداني.
*من الناحية السياسية، قد يؤدي التصعيد العسكري في الخليج إلى انشغال بعض العواصم المؤثرة بملفاتها الأمنية المباشرة، وهو ما قد يقلل من مستوى الانخراط في الأزمة السودانية، سواء على مستوى الوساطات أو الدعم السياسي.. وفي المقابل، قد تستغل أطراف أخرى هذا الانشغال لزيادة نفوذها داخل الساحة السودانية، مستفيدة من حالة الفراغ النسبي في الاهتمام الدولي والإقليمي.
*أما على المستوى الاقتصادي، فإن أي اضطراب كبير في الخليج ينعكس بالضرورة على حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.. وهذه المتغيرات قد تؤثر بدورها على الموارد المالية المتاحة للأطراف الإقليمية الداعمة لطرفي الصراع في السودان.. فالدول التي تجد نفسها مضطرة لإعادة توجيه مواردها نحو أمنها الداخلي أو نحو إدارة تداعيات الحرب في الخليج قد تقلل من انخراطها في صراعات أخرى.
*وفي المقابل، قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة أو تغير مسارات التجارة إلى خلق معادلات اقتصادية جديدة، تسمح لبعض القوى بتعزيز حضورها في ملفات إقليمية أخرى، ومنها الملف السوداني.
*هناك أيضًا بعد عسكري واستراتيجي لا يمكن تجاهله.. فتعطيل حركة النقل البحري أو تهديد الممرات البحرية في الخليج والبحر الأحمر قد ينعكس بشكل مباشر على السودان، الذي يطل على أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.. وأي تغير في معادلات الأمن البحري في هذه المنطقة قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة، وربما حضور أكبر للقوى الدولية في البحر الأحمر.
*هذا التطور قد يعيد إدخال السودان في حسابات جيوسياسية أوسع، ليس فقط باعتباره ساحة صراع داخلي، بل بوصفه جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي المرتبطة بالممرات البحرية والتجارة الدولية.
*وفي ظل هذه التعقيدات، يصبح من الواضح أن الحرب في السودان لم تعد شأنًا داخليًا خالصًا، بل باتت جزءًا من شبكة أوسع من الصراعات والتوازنات الإقليمية. فالمشهد الإقليمي المتحرك يمكن أن يغير اتجاهات الصراع في الخرطوم ودارفور كما يغيرها في عواصم الخليج.
*لكن المفارقة أن الفاعلين الإقليميين الذين كان لهم دور مؤثر في ما يسميه السودانيون (حرب الكرامة) داخل السودان، يجدون أنفسهم اليوم متأثرين بدورهم بصراعات أكبر منهم حجمًا ونفوذًا.. فبعض هذه القوى التي كانت فاعلة في المشهد السوداني أصبحت الآن (مفعولًا بها) في صراع أوسع تقوده القوى الكبرى.
*هذه التحولات تعني أن السودان قد يتأثر بالحرب في الخليج بطريقتين متناقضتين في الوقت نفسه: فإما أن يؤدي انشغال القوى الإقليمية إلى تقليل التدخلات في الصراع السوداني، ما قد يفتح الباب أمام مسارات سياسية جديدة، أو أن يؤدي تصاعد التنافس الإقليمي إلى تحويل السودان إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات غير المباشرة.
*وفي كلتا الحالتين، يبقى المؤكد أن الحرب في السودان لم تعد معزولة عن السياق الإقليمي.. فالمشهد الجيوسياسي في المنطقة يتحرك كمنظومة مترابطة، وأي هزة في إحدى عقدها الرئيسية – مثل الخليج – يمكن أن تنتقل آثارها بسرعة إلى بقية العقد، بما فيها السودان.
*ولهذا فإن قراءة مستقبل الحرب السودانية لم تعد ممكنة من داخل حدود السودان وحده، بل تحتاج إلى فهم أعمق للتحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن توازنات القوى الإقليمية إلى صراعات النفوذ بين القوى الدولية.
*في النهاية، قد لا يكون من السهل التنبؤ بدقة بمآلات هذه التفاعلات، لكن المؤكد أن اشتعال الخليج لن يبقى حدثًا محليًا معزولًا، بل سيظل يلقي بظلاله على خرائط الصراع في المنطقة، وربما يكون السودان أحد أكثر هذه الساحات حساسية وتأثرًا بما يجري.
*كاتب صحفي مصري