
السودان في قاعة البرلمان الفرنسي.. معركة الرواية قبل معركة السياسة
عمرو خان
*في الحروب الحديثة لا تُحسم المعارك في الميدان وحده، بل تُحسم أيضاً في العواصم البعيدة حيث تُصاغ المواقف الدولية وتُبنى الروايات التي تحدد كيف يرى العالم ما يحدث. وفي هذا السياق يمكن قراءة الجولة الأوروبية التي يقوم بها حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، والتي كان من أبرز محطاتها لقاءه في البرلمان الفرنسي بالبرلماني Christophe Mario
*فاللقاء في ظاهره نشاط دبلوماسي عادي، لكنه في جوهره جزء من معركة أكبر تدور حول كيفية فهم العالم لما يجري في السودان.
*الحرب التي اندلعت في السودان منذ عام 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع تحولت سريعاً إلى واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في المنطقة. ملايين المدنيين نزحوا من منازلهم، ومدن كاملة تحولت إلى مسارح للقتال، بينما تتزايد التقارير عن انتهاكات واسعة النطاق ضد السكان المدنيين. ومع ذلك، فإن هذه الحرب – على الرغم من حجم المأساة – لم تحظَ حتى الآن بالاهتمام الدولي الذي يوازي خطورتها.
*من هنا تبدو التحركات السياسية في أوروبا محاولة لفتح نافذة جديدة أمام القضية السودانية داخل دوائر القرار الغربي. فاللقاءات داخل البرلمانات الأوروبية ليست مجرد مناسبات خطابية، بل يمكن أن تتحول إلى منصات ضغط سياسي تدفع الحكومات إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً. التاريخ القريب يوضح أن كثيراً من القضايا الدولية بدأت كملفات نقاش داخل البرلمانات قبل أن تتحول إلى سياسات رسمية أو مبادرات دولية.
*ما يحاول مناوي فعله في هذه الجولة هو نقل النقاش حول الحرب السودانية من مستوى الأخبار المتفرقة إلى مستوى القضية السياسية الدولية. فهو يسعى إلى عرض صورة مفصلة لما يصفه بالانتهاكات التي ارتكبتها قوات قوات الدعم السريع في مناطق مختلفة من السودان، وخاصة في إقليم دارفور. وفي هذا السياق يبرز الحديث عن الأحداث التي شهدتها مدينة الفاشر، والتي أصبحت واحدة من أكثر بؤر الصراع تعقيداً في الإقليم.
*لكن القضية لا تتوقف عند دارفور وحدها.. فالعاصمة الخرطوم ومدينة أمدرمان شهدتا بدورهما فصولاً قاسية من الحرب، بما في ذلك عمليات نهب واسعة وانتهاكات طالت المدنيين والبنية التحتية.. هذه الوقائع، حين تُعرض داخل المؤسسات السياسية الأوروبية، تتحول من مجرد أحداث محلية إلى عناصر في نقاش أوسع حول المسؤولية الدولية تجاه حماية المدنيين في مناطق النزاع.
*ومع ذلك، فإن الطريق نحو تدويل القضية السودانية ليس سهلاً. فالدول الأوروبية، التي تواجه بالفعل سلسلة من الأزمات الدولية الكبرى، قد تجد صعوبة في إعطاء السودان موقعاً متقدماً على أجندتها السياسية. الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، وأزمات الهجرة والطاقة، كلها ملفات تستنزف قدرات العواصم الأوروبية وتحد من هامش تحركها في ملفات أخرى.
*إضافة إلى ذلك، فإن الصورة التي تصل إلى العالم عن السودان غالباً ما تكون مشوشة بفعل تعدد الروايات وتضاربها. فكل طرف في الصراع يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية أو المدافع عن الدولة، بينما يتهم الطرف الآخر بارتكاب الانتهاكات. هذه الفوضى في السرديات تجعل من الصعب على المجتمع الدولي تبني موقف حاسم، لأن فهم طبيعة الصراع نفسه يصبح مهمة معقدة.
*ولهذا يمكن القول إن الجولة الأوروبية لمناوي ليست مجرد نشاط سياسي، بل هي أيضاً محاولة لصياغة رواية محددة للحرب السودانية. رواية تقوم على إبراز ما يعتبره جرائم ممنهجة ضد المدنيين، وتقديمها باعتبارها قضية تستدعي تحركاً دولياً عاجلاً. وإذا نجحت هذه الرواية في كسب تعاطف البرلمانات الأوروبية، فقد تتحول إلى عامل ضغط يدفع الحكومات الغربية إلى اتخاذ خطوات أكثر وضوحاً، سواء عبر العقوبات أو عبر دعم مبادرات دولية لحماية المدنيين.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل يكفي كسب التعاطف الدولي لإنهاء الحرب؟ التجارب التاريخية تشير إلى أن الضغوط الدولية قد تساعد في تغيير موازين الصراع، لكنها نادراً ما تكون كافية وحدها لفرض السلام. فالحلول الحقيقية غالباً ما تنبع من الداخل، عبر تسويات سياسية تعالج جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجها.
*في حالة السودان، تبدو هذه التسوية بعيدة المنال في الوقت الراهن. فالحرب لم تخلق فقط دماراً مادياً واسعاً، بل أعادت أيضاً إنتاج انقسامات سياسية واجتماعية عميقة. ومع استمرار القتال، يصبح المجتمع السوداني أكثر إنهاكاً، بينما تتضاءل فرص التوصل إلى حل سريع.
*ومع ذلك، فإن التحركات الدبلوماسية مثل جولة مناوي الأوروبية تظل ذات أهمية، لأنها تسهم في إبقاء القضية السودانية حاضرة في الوعي الدولي. فالصراعات التي تُنسى في العناوين الرئيسية غالباً ما تتحول إلى حروب طويلة لا يلتفت إليها أحد.
*إن نقل مأساة السودان إلى قاعات البرلمانات الأوروبية قد لا يوقف الحرب فوراً، لكنه على الأقل يفتح باباً لنقاش سياسي أوسع حولها. وربما تكون هذه الخطوة جزءاً من معركة أكبر: معركة إعادة تعريف ما يجري في السودان أمام العالم، وتحويله من أزمة بعيدة إلى قضية إنسانية وسياسية لا يمكن تجاهلها.
*وفي زمن أصبحت فيه الرواية أداة من أدوات الصراع، يبدو أن معركة السودان اليوم لا تدور فقط في المدن والقرى، بل أيضاً في العواصم البعيدة حيث يتقرر كيف يرى العالم هذه الحرب – وما إذا كان سيبقى متفرجاً عليها أم سيتحرك لإنهائها.
*كاتب صحفي مصري