
ما بعد لقاء وزيري الخارجية المصري واليوغندي
بُعْدٌ.. ومسَافة
مصطفى ابوالعزائم
*بالأمس إستقبل الدكتور بدر عبدالعاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي المصري في القاهرة نظيره اليوغندي هنري أوكيلو، وزير الدولة للعلاقات الخارجية ، وذلك كما جاء في الأنباء لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك.
*من المؤكّد أن هذه الزيارة سيكون لها ما بعدها ، ليس في مسار العلاقات بين مصر ويوغندا فحسب ، ونتوقع مثلما يتوقع كثير من المهتمين بشأن العلاقات الإفريقية والإقليمية أن تكون لقاءات الوزيرين ، واللجان المختصة المشتركة قد ناقشت أخطر الملفات الأمنية التي تؤثر على إستقرار المنطقة كلها ، وليس وادي النيل وحده.
*وفي تقديرنا الشخصي أنه ستكون هناك قمة مرتقبة لرؤساء بعض دول حوض النيل ، تدعو لها مصر قريبا ، فالأحداث بالمنطقة تتسارع ، وكثير من الأنظمة الأفريقية باتت تعاني من الهشاشة ، وتسعى مصر بقوة تأثيرها لأن تكون صمام الأمان ليس في حوض النيل وحده ، بل في أفريقيا والشرق الأوسط.
*هناك اضطرابات في ليببا، وذلك بسبب وجود حكومتين، ومن المؤكّد بالنسبة لأي مراقبٍ مُلِمٍ بطبيعة المجتمع الليبي، أن يتوقع صداماً في لحظة بين المليشيات التي توزّع ولاؤها بين رئيسي الحكومة.
*وهناك قضية سدّ النهضة الإثيوبي ، وعدم التوصل إلى إتفاق بين دول دول حوض النيل الثلاث ، السّودان ومصر وإثيوبيا ، إضافة إلى الحرب في إقليم التيقراي ، وأزمات النزوح واللجوء في المنطقة ؛ ثم أزمة التباعد السّياسي الداخلي في السّودان ، وغير ذلك من قضايا تهدد أمن المنطقة بل والقارة الإفريقية ، ثم قضية أمن البحر الأحمر ؛ والتي نعتبرها واحدة من القضايا المهمة ، خاصة مع التنازع الدولي على موانئ وسواحل هذا الممر المائي الإستراتيجي الأهم ، وقد أخذ الصراع يأخذ بعداً عالمياً بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، والتي إمتدت آثارها إلى بعض دول الخليج العربي الشقيقة.
*من المؤكّد إن هذه القضايا كلها ستكون دافعاً للإسراع بدعوة لقمة عاجلة ، أو للقاءات ثنائية بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ، وبين عدد من الرؤساء في المنطقة ، وفي مقدمتهم رئيس مجلس السيادة الإنتقالي في السودان الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان ، وسيناقش اللقاء إذا تم ويركّز على طرح مبادرة سلام تحفظ أمن وسيادة مؤسسات الدولة السودانية وفي مقدمتها القوات المسلحة ، إضافة إلى لم الشمل الوطني.
*ولأن العلاقة بين السّودان ومصر ليست علاقة جوار فحسب ، فإننا من هنا نرى إن مراكز البحوث والمفكرين والخبراء والمختصين في شأن التعاون الإقليمي ، سيعملون خلال هذه المرحلة من أجل إحياء الأفكار القديمة المتصلة بالوحدة بين الشعوب التي تقف على أرضية ثقافية ولغوية واحدة ، وهي أفكار تنزلت إلى أرض الواقع العربي والإقليمي خلال عهد حكم الرئيس الراحل جعفر محمد نميري – رحمه الله – بمد جسور التواصل مع القيادة السياسية في كل من مصر وليبيا بداية سبعينيات القرن الماضي ، مصر بكل ألقها وثقلها ووزنها السياسي خلال الحقبة الناصرية ، ثم فترة حكم الرئيس أنور السادات” – رحمه الله – وليبيا إبان توهج شعارات الثورة الجديدة فيها قبل الإنحراف والإنجراف للذات الذي قاده زعيمها الراحل معمر القذافي.
*الآن .. وبعيداً عن إنفعالات العموم ، وبعيداً عن برود الخصوص والقيادات تجاه القضايا المصيرية الكبرى ، والتحدّيات التي تواجه الشعوب ، وحصر الأهداف الكلية في حماية الأنظمة وبقائها ، مع تحريك الآلة الإعلامية في إتجاه ريح السّياسة وما يريده السّاسة ، لا بد لنا الآن ، وبعد أن تكشّفت أطماع القوى العظمى في بلادنا ، وبعد أن ظهرت المخطّطات السرّية لإعادة تقسيم الشرق الأوسط وأفريقيا إلى مناطق نفوذ ، دون إعتبار لحدود أو شعوب ، أو أنظمة ، لا بد لنا من أن نعيد النظر في إعادة بناء علاقاتنا مع الآخرين ، خاصةً في محيط الجوار الأفريقي ، والإنتماء الثقافي العربي الأفريقي معاً ، حتى نسقط تلك المخططات التي لا يهمها إن تشرّدت شعوبنا أو تشتت في أركان الدنيا المختلفة ، ولا بد لنا من أن نوكل الأمر لأهل الإختصاص بعيداً عن الإنفعالات والعواطف ، وأن نوجّه طاقاتنا لحماية أقطارنا والحفاظ على مصالحنا ومصالح أشقائنا في الجوار.
*لا نطالب بإعلان وحدة فورية سريعة حتى لا تنتهي بمثل ما بدأت فورية وسريعة ، لا بد لنا ونحن الآن دولة تسعى لأن تكون دولة مؤسسات وإختصاصات ، لابد لنا من أن نبحث عما يمكن أن يحافظ على مكاسبنا ومصالحنا ، خاصة مع الجوار القريب ، ونجيء بمصر نموذجاً ، سبق لبلادنا أن دخلت في تجربة نرى أنها كانت مثالاً طيباً ، خلال عهدي الرئيسين الراحلين جعفر محمد نميري وأنور السادات – رحمهما الله – هي تجربة التكامل ، وقد كانت التجربة ناجحة بكل المقاييس في مجالات الإقتصاد والحراك المجتمعي الحر ، بدون جواز سفر، وتم تبادل للمنافع والسلع والخدمات، ولم يكن التواصل يتم إلّا عن طريق النقل الجوي والنهري والبحري، وقد تأسس الآن نقل بري من خلال أكثر من منفذ ، قدم تسهيلات عديدة في حركة المواطنين والسلع بأقل تكلفة في المال والجهد والزمن ، لذلك نقول بأهمية أن تبدأ اللجنة المشتركة العليا، وبقية اللجان الوزارية المتخصصة بدراسة سبل التواصل المفضي للمصالح المشتركة ، مع الإستعانة بالمفكرين والأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني حتى يصبح الشعار القديم ، (عاشت وحدة وادي النيل) واقعاً لا تاريخاً مضى . ولتبدأ منظمات المجتمع المدني في البلدين الضغط على أصحاب الرؤى الضيقة والأفكار المريضة والعقول القاصرة ، حتى لا يجدوا لهم مساحة في وسائل الإعلام ، تهدم أساساً في لحظات رغم أن الذين شيَّدوه بذلوا مئات السنين من أجل أن يقوى وادي النيل ، ويشد أزر بعضه البعض .. ولتكن الأبواب مشرعة مفتوحة أمام دولة جنوب السودان ، وأمام أثيوبيا وليبيا وتشاد .. ربما أصبحنا قوة إقليمية يحسب لها العالم ألف حساب .. فقط علينا إحياء الفكرة القديمة وإنعاش الضمائر لصالح الشعوب.