آخر الأخبار

من ينصف العاملين بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون؟

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد     

 

*منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، دخلت مؤسسات الدولة السودانية طورًا استثنائيًا فرضته الضرورات الأمنية واللوجستية، وكان من الطبيعي أن تُتخذ تدابير عاجلة لضمان استمرارية البث الإذاعي والتلفزيوني باعتباره خط الدفاع المعنوي الأول في مواجهة الفوضى والتضليل الذي قادته المليشيا المتمردة الارهابية ( الدعم السريع) . غير أن ما بدأ كحلٍّ مؤقت، تحوّل مع مرور الوقت إلى واقع دائم يطرح أسئلة مؤلمة حول العدالة، الكفاءة، وإدارة الأزمة داخل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون.

*لقد تم اختيار مجموعة محدودة من العاملين للعمل في بورتسودان لتشغيل التلفزيون، ومجموعة أقل عددًا في عطبرة لإدارة الإذاعة، في حين ظل أكثر من ثمانمائة موظف وموظفة خارج دائرة الفعل، محرومين من أداء دورهم المهني والوطني. هذا الواقع لا يمكن تفسيره فقط بضرورات الحرب، بل يكشف عن خلل عميق في إدارة الموارد البشرية، وغياب رؤية عادلة تضمن إشراك الجميع في معركة الوعي التي لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية.

*إن تغييب هذا العدد الكبير من الكفاءات لا يعني فقط تعطيل طاقات بشرية مؤهلة، بل يُعد إهدارًا ممنهجًا للخبرات التراكمية التي بُنيت عبر سنوات طويلة. فالعاملون في الإذاعة والتلفزيون ليسو مجرد موظفين، بل هم حَمَلة رسالة، وصُنّاع وعي، وأصحاب دور محوري في تشكيل الرأي العام، خاصة في أوقات الأزمات.. كيف يمكن لمؤسسة بهذا الحجم أن تختزل نفسها في عشرات الأفراد، بينما يُترك الباقون في دائرة الانتظار القاتل؟.

*الأثر الاجتماعي والاقتصادي لهذا التهميش لا يقل قسوة. فقد حُرم هؤلاء العاملون من فرص العمل الفعلي، ومن الحوافز والامتيازات التي تُعينهم على مواجهة ظروف معيشية بالغة التعقيد.. المرتب الأساسي- الذي لا يتجاوز في أحسن الأحوال مائتي ألف جنيه سوداني- لم يعد يكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، خاصة في ظل التضخم والانهيار الاقتصادي. هذا الواقع دفع كثيرين إلى الانخراط في أعمال هامشية لا تمت بصلة لتخصصاتهم، في مشهد يعكس مفارقة مؤلمة: كوادر إعلامية مدرّبة تُجبر على مغادرة ميادينها لتأمين لقمة العيش.

*ولا تقف الأزمة عند حدود الدخل المحدود، بل تتسع لتشمل تأخر أو غياب مستحقات مشروعة، منها منحة رئيس الوزراء (500 ألف جنيه) التي صُرفت لمؤسسات أخرى قبل عيد الفطر المبارك ولم تصل إلى العاملين بالهيئة، إضافة إلى البديل النقدي لعامي 2025 و2026، وفروقات تعديل المرتبات لشهري يناير وفبراير 2026 وفق إعلان وزارة المالية، ومرتب شهر مارس بتعديلاته المعلنة. هذه الحقوق، على تواضعها، تمثل شريان حياة للعاملين، وتأخرها أو حجبها يضاعف من شعور الظلم والإقصاء.

*في المقابل، تثار تساؤلات حول حجم الإنفاق على المجموعات العاملة في عطبرة وبورتسودان، وما إذا كان هذا الإنفاق- الذي يوصف بالبذخي- يُدار وفق معايير شفافة وعادلة، أم أنه يكرّس فجوة بين نخبة مُفعَّلة وأغلبية مُعطَّلة.. هذه المفارقة لا تضعف فقط الروح المعنوية ةللعاملين، بل تُقوّض ثقة المؤسسة في نفسها، وتُهدد وحدتها الداخلية.

*إن إدارة الأزمات لا تعني فقط الاستجابة السريعة، بل تتطلب أيضًا عدالة في توزيع الأدوار، ومرونة في إشراك أكبر عدد ممكن من الكفاءات، حتى في ظل الظروف الصعبة.. كان بالإمكان- بل من الضروري- ابتكار صيغ تشغيل بديلة تُمكّن العاملين في أم درمان وغيرها من المساهمة عن بُعد، أو عبر مكاتب مؤقتة، أو من خلال منصات رقمية، بدلًا من تركهم خارج المشهد تمامًا.

*السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا تم هذا التوزيع غير المتوازن؟ بل: إلى متى سيستمر؟ وما هي الخطة لإعادة دمج هذه الكفاءات في دورة الإنتاج الإعلامي؟ إن استمرار هذا الوضع يُنذر بفقدان جيل كامل من الإعلاميين، ليس بسبب الحرب، بل بسبب سوء إدارة آثارها.

*المطلوب الآن ليس مجرد تبرير، بل مراجعة شاملة وجادة لهذا الملف، تبدأ بإقرار الحقوق المالية المتأخرة، وتمر بإعادة توزيع الفرص الوظيفية، وتنتهي بوضع رؤية واضحة لإعادة تشغيل الهيئة بكامل طاقتها من مقرها الطبيعي في أم درمان. فالمؤسسات لا تُبنى بالاستثناءات، بل بالعدالة، ولا تنهض بالإقصاء، بل بالمشاركة.

*إن العاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لا يطلبون امتيازات خارجة عن المألوف، بل يطالبون بحقهم في العمل، في الكرامة، وفي أن يكونوا جزءًا من معركة الوطن. وهذه مطالب لا ينبغي أن تُقابل بالصمت، لأن الحق- كما قيل- لا يُستجدى، بل يُنتزع بالعدل.