آخر الأخبار

التائه

قصة قصيرة

عبدالأمير المجر- العراق:

قال له الشيخ:

لقد كنت بطلا حقّا… يكفي أنك ما زلت تقف على قدميك.

كان شابا يافعا يميل إلى المغامرة، وكثيرا ما يستحضر أجداده الذين قارعوا الأسود ووحوش البراري في القرون الخوالي. ويكاد ينعس حين يستعرض بطولاتهم التي تمر بخاطره باستمرار، فتبلّل جفاف أيامه، وتشعره بالامتلاء والنشوة.

وقف امام الشيخ شبه حافي القدمين، ملابسه ممزقة، وشعره أشعث. أما الجروح التي توزعت جسده شبه العاري، فقد رسمت صورة دقيقة لرحلته التي لا يدري متى بدأها، ولا كيف وصل إلى المكان الذي وجد فيه الشيخ الكبير، قرب كوخ يطل على ضفاف نهر صغير  ذكّره بقريته التي كانت.

استقبله الشيخ، الذي راح يتفرس بوجهه ليستحضر ملامحه القديمة قبل ان يبدأ مغامرته الطويلة ويفارق اهله،  ثم فرش له حصيرة في ثنية الدار وجلسا معا.

نعم، لقد كنت بطلا حقا، يا بني

كرر الشيخ العبارة وهو ينظر إلى وجهه الشاحب المتعب ليبث الطمأنينة في نفسه، ثم أردف قائلا

لكن مَن أشار عليك بهذه الرحلة؟

ظل ينظر إلى وجه الشيخ من دون ان يتكلم، ولا يعرف كيف يجيبه، فأيقن الشيخ أن الرجل فاقد للوعي، ربما بسبب التعب والجوع، وربما بسبب ما تلقاه من ضربات أدمت جسده وأوجعت نفسه وروحه.

قال الشيخ:

لقد أخبرونا أنك بدأت رحلتك تصلي بخشوع بين جموع من مصلين، يحملون سيوفا يلوّحون بها في الفضاء، ويهتفون باسم الرب! ثم قالوا لنا إنك غادرتهم، وغفوت مطمئنّا بين أبناء عمومتك الذين تركوك في منتصف الطريق، بعد أن أفرغوا ما في جيوبك.. ووجدت نفسك وحيدا، تتلفت يمينا وشمالا، قبل أن تلتقي مجموعات من رجال ونساء، ملأوا البلدات والقرى هتافا. وكنت بينهم تهتف للعدالة وان تكون جبال الأرض  وسهولها ملاذا للخائفين والتائهين.

شعر الرجل بلذة الراحة بعدما تمدد على الحصيرة وتناول قبلها شيئا من الطعام، وراح يسرح بعيدا، مستحضرا ما حدث. وكان الشيخ يتأمله بصمت، ليتركه يبتعد في خياله، علّه يجد ما يهديه إلى اسمه الذي نسيه، وعائلته التي تبعثرت بعده، وأرضه التي لا يدري ما حلّ بها.

وحين جلس بعد إغفاءة طويلة، نظر إلى وجه الشيخ وكأنه يلتقيه للمرة الأولى، وقال:

أين أنا؟

قال الشيخ:

أنت في داخلك … لقد كنت فاقدا للوعي، يا بني، وآن لك أن تعود إلى نفسك وتستريح.