آخر الأخبار

حكاوي الرعب وقصص الموت على لسان المأسورين في معتقلات الجنجويد

  • محمد: كنا ندفن 60 شهيدا يوميا وماشاهدناه لايخطر بعقل بشر
  • عند دخول الجيش لمعتقلنا شهق البعض من الفرحة ورحلوا عن الدنيا

الدويم – هيثم السيد

حكايات وقصص أقرب إلى الخيال رواها عدد من الرجال الذين كانوا معتقلين بسجون عصابة الجنجويد والذين تم تحريرهم من قبضة خونة الدعم السريع الذين هربوا من مواجهة الجيش في معركة تحرير جبل أولياء قبل أيام.
تم إجلاء عدد من المعتقلين بواسطة الجيش من جبل أولياء إلى القطينة ومنها إلى مستشفي الدويم لتلقي العلاج اللازم, (أصداء سودانية ) إلتقت بعدد من المحررين داخل عنبر العناية بمستشفى الدويم ،وقدمت لهم التهاني بمناسبة فك الأسر بفضل الله والجيش.
داخل العنبر:


ونحن عند مدخل العنبر لاحظنا بوضوح من نقصدهم بالزيارة ،حيث دلتنا عليهم ملامح الهزال الشديد والأعياء البائن، ،أول من جلسنا إليه هو (محمد أحمد محمد حسن آدم) الذي يتبع للفرقة السابعة بالحرس الجمهوري و يسكن ابوسعد، قال وهو يحكي تفاصيل رحلة الاعتقال التي قاربت العامين بعد اندلاع الحرب بقيت مع أسرتي بأبوسعد حوالي شهرين ،وفي صبيحة أحد الأيام وقفت أمام المنزل سيارة بوكس (دبل كاب) نزل منها عدد من الدعامة غطوا وجوههم بالكدمول ،وسألوا عني بالأسم وقابلتهم، كانت لدي عربة جامبو وكوريلا 2007 وتكتك ،أخذوا العربات و اقتادوني إلى معسكر صالحة جنوب كبري الدباسين، ومكثت هناك 18 يوما ،بعدها حولوني إلى قسم ال18 بالمربعات ،حبسوني هناك مع مجموعة كبيرة من المعتقلين بالبدروم ،بقيت هناك حتى يوم 23 شهر 7 من عام 2023 ،بعدها تم تحويلي إلى سجن سوبا الذي بقيت به قرابة العام.
هذا كان حالنا في سوبا :


في سوبا شاهدنا فظائع إنسانية قاسية لاتدل علي أن هؤلاء بشر،عدد المعتقلين كان لايقل عن 15 ألف شخص ،العنبر به حوالي 350 شخص, الأكل عبارة عن كباية عجين مخلوط بالموية ،هم بقولوا عصيدة وكباية موية, مرتين في اليوم ،مافي طريقة تطالب بالعلاج أو زيادة الاكل ،وإذا تكلمت ممكن يطلقوا عليك الرصاص ،هناك تصالحنا مع الموت ،كنا نشفق على أخواننا المرضى الذين ماتوا أمام أعيننا، لم يكن في يدنا ما نقدمه لهم ،الجنجويد لم تكن لديهم وحدات طبية ،ومن يشرفون على علاج المعتقلين هم الكوادر الطبية من المعتقلين أنفسهم.

إنتشار الكوليرا:


أسواء فترة مررنا بها خلال الاعتقال كانت خلال خريف العام الماضي ،حيث انتشرت الكوليرا داخل السجن ولم يكن هناك علاج ،كانوا أحيانا يقدمون لنا أدوية منتهية الصلاحية، لذلك زادت نسبة الوفيات داخل المعتقل ،كان يموت ما بين 60 إلى 70 شخصا يوميا ، يتم دفنهم بشكل جماعي، صمت محمد أثناء الحكي ومسح دموعه ثم عاود الحديث قائلا (البموت) كنا بنلفوا بملايتو..وكان معنا ضابط جيش ضمن المعتقلين (نسيت اسمه) يشرف على غسل الجثامين وتكفينها والصلاة عليها ،وهذا الضابط دفعة عصام صالح فضيل القائد بالدعم السريع ،لذلك أمر عصام بأخلاء سبيله وغادر السجن.
الدفن جماعي:


دفن الشهداء كان يتم في مقابر مجاورة لكمبو دمبر في سوبا ،وغالبية سكانه من الجنوبيين ،والحفر يتم باللودر،والدفن جماعي, و المشاهد المؤلمة أن هناك جثامين تبقى يومين ثلاثة داخل العنبر،بعدها يتم دفنها بواسطة الجنوبيين.
وفي شهر ديسمبر الماضي قبل ٤ أشهر من الآن حولوني إلى معتقل بالرياض مكون من خمسة طوابق ،وهو على ما اعتقد كلية السودانية لعلوم الاتصال شرق شركة كنانة ،بقينا هناك 15 يوما بعدها تم ترحيلنا إلى الاحتياطي المركزي جنوب الكلاكلة، كنا حوالي 5 آلاف معتقل ،نزلونا في مبني الشرطة الموحدة ،وبقينا به حتى رمضان ،قبل أيام سمعنا بنيتهم تحويلنا إلى معسكر صالحة ،وآخرين كانوا يقولون إنه سيتم ترحيلنا إلى مكان ما بدارفور ..المهم الساعة 2 صباحا بدأوا ترحيلنا بشاحنات كبيرة،وعند مدخل منطقة جبل أولياء قالوا بأن الكبري مقفول، ونزلونا في مدرسة الهاشمي جنوب معسكر التدريب الموحد ،بقينا هناك 3 أيام بلا أكل ولا مياه ،في اليوم الرابع أدونا كباية عصيدة وموية ،في اليوم الخامس حوالي الساعة 9 صباحا سمعنا أصوات رصاص كثيف جدا ،شعرنا بأن الأمر غير طبيعي ،وبحكم أن غالبيتنا عساكر إلتزمنا الساتر على الأرض ،كنا ندعوا الله أن يكون ذلك متحرك الجيش ،وحوالي الساعة 11 ونصف صباحا شاهدنا عساكر الدعم السريع يخلعون ملابسهم العسكرية ويفرون لداخل الحي ،وفجأة شاهدنا رجال الجيش يتقدمون نحونا ،لم نصدق ،بعض المعتقلين شهقوا وتوفوا في نفس اللحظة من الفرحة ،وهناك من تملكتهم الهستريا وجروا في الميدان الفسيح وتعرضوا للإصابة بالرصاص الطائش، جميع المعتقلين كانوا يشكون من سوء التغذية والمرض،بعد تطهير الجيش للمنطقة تم إجلائنا إلى مستشفي القطينة ومنها إلى الدويم ،في طريقنا إلى الدويم كان همي الأطمئنان على أسرتي وأهلي ،حيث انقطع الاتصال بيننا قرابة العامين ،ولايعرفون أن كنت حيا أو ميتا ،فأخذت هاتف الطبية المرافقة لنا اتصلت بأحد أقربائي (علي عبدالكريم)،وقلت له ،معاك محمد أحمد ،لم يصدق في بادئ الأمر، وطمأنته بأنني بخير وفي طريقي إلى الدويم.
عامان من الاعتقال:
أيضا التقينا بالعم أحمد آدم على عيد 66 عاما يسكن أمدرمان الجرافة، وهو مساعد يتبع لإدارة الخدمة الوطنية ،وقال
تم اعتقالي في اليوم الأول للحرب في 15 أبريل 2023 في شمبات وتم اعتقالي بسلاح المظلات لمدة شهرين ونصف ،بعدها تم تحويلي إلى سجن سوبا وبقيت هناك عاما كاملا قبل أن يتم تحويلي إلى مدارس القبس بالرياض ،ومنها إلى مركز التدريب الموحد بطريق جبل أولياء ،ومنه كانوا ينوون ترحيلنا إلى غرب جبل أولياء ،لكن العربة تعطلت ونفذ منها الوقود وحتى أن أحد لساتكها (طرشق) ورغم ذلك كانوا يصرون على المشي بعجلات الحديد ،لذلك نزلونا بمدرسة الهاشمي بجبل أولياء ،مكثنا بها 4 أيام حتى جاء الجيش للمنطقة وهرب المتمردين بعد أن خلعوا ملابسهم العسكرية وتم اجلائنا بواسطة الجيش إلى الدويم.
ما شهدناه لا يصدق:
وقال عيد ماشاهدناه في معتقلات الدعم السريع أشياء لايصدقها عقل ولاتمت للأنسانية بصلة ،القتل عندهم أهون من شرب الماء، كانوا يقتلون زملائنا أمام أعيننا بدون سبب ،شخصيا استدعوني إلى المكان الذي تتم فيه تصفية الناس 3 مرات ،ولكن نجوت بحمدالله ،كنا نقضي الليل في قراءة القرآن والصلاة ،كان معنا ضباط كبار بالجيش والمخابرات منهم اللواء يس إبراهيم، المعاشات،والمقدم عبدالمنعم من السروراب،استشهد، والرائد سمؤل السلاح الطبي ،وهناك عنابر تعتقل فيها النساء، كنا نسمع أصوات الأطفال وصرخات التعذيب، أكثر ناس عذبونا هم شباب الجنوبيين المستنفرين بالدعم السريع ،غالبيتهم من أبناء النوير هؤلاء لا رحمة في قلوبهم.
في طريقنا بالأسعاف إلى الدويم اتصلت على شقيقي (علي) بالجرافة، لم يسمعوا صوتي ولم يعرفوا عنى معلومة منذ عامين ،سلمت عليه ،قلت ليهو معاك أخوك أحمد آدم لم يصدق فى بادئ الأمر من هول الصدمة ،طمأنته بأنني حى أرزق ،والحمدلله على كل حال، في الدويم لم يزرنا غير الأخ عصام الأمين عبدالحميد،مدير الآلية بالمحلية،وأحضر لنا ملابس.