آخر الأخبار

ظاهرة إطلاق الرصاص في المناسبات .. تراجيديا الحناء والدم

  • باحث نفساني: إطلاق الرصاص العشوائي يعتبر أقصى حالات التنفيس الإنفعالي
  • باحثة إجتماعية: الظاهرة غير حضارية وتعكس خللا في التركيبة الاجتماعية والفكرية

تحقيق ــ التاج عثمان:
حادثة حفل الزفاف بامدرمان الجمعة الماضية نشرت أثواب الحزن والحداد في كل ربوع البلاد.. فعقب إعلان المأذون إنتهاء مراسيم عقد النكاح تملكت أحد المهنئين (هوشة) حاول إظهرها للحضور بإطلاق زخات من سلاحه في الهواء لتصيب رصاصة العريس البالغ من العمر 28 عاما في مقتل ليلفظ أنفاسه داخل سرادق حفل زفافه مخضبا بالحناء والدم.. كما اودى الرصاص الطائش بحياة ثلاثة آخرين من أصدقاء واهل العريس المرحوم.. حوادث إطلاق الرصاص في المناسبات شملت كل الولايات دون إستثناء.. فما أسباب إنتشارها بهذه الوتيرة السريعة؟.. ولماذا فشل القانون في تحجيمها وإيقافها عند حدها؟..وما رأي الدين الإسلامي في هذه الظاهرة؟.. وكيف ينظر علماء النفس والإجتماع لشخصية من يمارس هذه الظاهرة والتي ترقى لمرحلة الجريمة؟.. وما هي الحلول والمقترحات الكفيلة بتحجيمها؟.. (أصداء سودانية) تناقش هذه الظاهرة الخطيرة عبر التحقيق التالي
نماذج مؤلمة:


الظاهرة معروفة للجميع إذ سرعان ما تتناقلها وسائل التواصل الإجتماعي، لكن هناك نماذج مؤلمة اثارت صدمة وسط المجتمع.. منها على سبيل المثال حادثة امدرمان الجمعة الماضية والتي راح ضحيتها العريس داخل سرادق حفل زفافه مُخضبا بالحناء والدم ومعه ثلاثة من المهنئين بجانب عدد من المصابين.. وهناك ضحايا لحق بهم رصاص المناسبات الطائش ولقو مصرعهم وهم داخل منازلهم.. ومن النماذج المؤلمة مصرع طفل ثاني أيام عيد الأضحى الماضي بمدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان اثناء عقد قران بجانب إصابة 5 اشخاص آخرين.. ومصرع عريس من مدينة الدامر برصاص طائش إنطلق من سلاح أحد أصدقائه.. واثناء الإحتفالات بتحرير مدينة مدني في يناير 2025 لقى 3 اشخاص مصرعهم بينما أصيب 55 شخصا برصاص الإحتفالات الطائش.. وحادثة شهيرة بمدينة سنجه عاصمة ولاية سنار راح ضحيتها شاب من عيار إنطلق من بندقية كان يلهو بها صديقه، ونتيجة لذلك الحادث الماساوي إتفق بعض الناشطين بمجتمع سنجة منع إستخدام الرصاص في الأعراس او غيرها من الإحتفالات، وتنبيه المأذون بعدم إكمال عقد النكاح في حالة مشاهدته او إخباره بان أحد الحضور يحمل سلاحا يهم بإطلاقه عقب إكتمال مراسم عقد الزواج، إلا أن تلك المعالجة لم تنجح ما يعني ان مكافحة الظاهرة وتجفيفها تحتاج لإجراءات أكثر صرامة وفاعلية.. وللعلم خلال شهر واحد فقط شهدت امدرمان 51 إصابة جراء إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات.. عموما الظاهرة منتشرة ومستفحلة بكل ولايات البلاد دون إستثناء.
تنفيس إنفعالي:
سؤال هام طرحته على أحد علماء النفس: كيف ينظر علماء النفس لمن يطلق الرصاص داخل مناسبات الأفراح.. وهل صحيح انه شخص إستعراضي مصاب بعقدة او مركب نقص يحاول تعويضها بإطلاق الرصاص في المناسبات؟.. يقول الطبيب النفساني مشخصا الحالة النفسية لمن يطلق الرصاص في الأعراس بقوله:
إطلاق الرصاص العشوائي في المناسبات يعتبر أقصى حالات (التنفيس الإنفعالي)، فعشاق السلاح يستمتعون بإطلاق الأعيرة النارية وسط التجمعات ويجدون ضالتهم هذه في مناسبات الأفراح، ليس بقصد الإحتفال او التعبيرعن فرحتهم ومشاركتهم للعريس او العروس وأهلهم، بل يعمدون لذلك لجذب الإنتباه إليهم خاصة الفتيات حسب إعتقادهم.. وبذلك يمكن وصف من يطلق الرصاص بأنه يعاني من مركب نقص في شخصيته يحاول تعويضها بجذب الإنتباه لمن حوله بإطلاق الرصاص في المناسبات، بدليل أن الأشخاص الذين يطلقون الرصاص في المناسبات اصبحوا معروفين ويأتون للمناسبات حتى دون ان توجه الدعوة لهم، بل ياتون فقط لإطلاق الرصاص.
غياب وعي:


باحثة إجتماعية ترى ان الظاهرة غير حضارية وتشير لخلل في التركيبة النفسية والفكرية والإجتماعية لمن تعودوا إطلاق الرصاص بمناسبة او من دون مناسبة حتى، وتشير على غياب الوعي لدى مستخدمي السلاح المتفلت الذين يعبرون عن افراحهم ومشاركتهم لاهل المناسبة بغطلاق الرصاص من دون التفكير بالنتائج السلبية التي يمكن ان تنجم منه.. وأصبحت الظاهرة رهينة للتراث السوداني لدى بعض القبائل، وللعادات والتقاليد والشهامة والشجاعة في تعبير البعض عن أفراحهم بالمناسبة عرسا كانت او حتى ختانا او سماية مولود، وهي لدى بعض القبائل ضرورية لإشهار إكتمال عقد النكاح، بينما كثير من القبائل تلجأ لغشهار الزواج بزغاريد النسوة وغطلاق أصوات معينة من الرجال متفق عليها وسط افراد القبيلة.
ومؤخرا إنضمت إليها ظاهرة أخرى تتمثل في إطلاق الرصاص إحتفالا بتحرير المدن التي كانت في قبضة مليشيا (النهب) السريع المتمردة.. فتاة وصفت الظاهرة بـ(الخطيرة)، وأنها مجرد إستعراض عضلات والتفاخر امام المواطنين المحتشدين في المناسبة خاصة الفتيات، بإمتلاك سلاح ناري مسدسا كان او غيرة من الأسلحة النارية.. مواطنة من امدرمان علقت بقولها: سمعت ناحية تقاطع إستوب الأبراج مع الوادي أطلاقا للرصاص فاصبت مع اطفالي بالذعر معتقده أنه إشتباك مسلح، لكن لاحقا علمت أن مصدره حفل زفاف”.. بعض الذين إستطلعتهم الصحيفة عن أسباب تمسكهم بغطلاق الرصاص في المناسبات، برروا ذلك بقولهم:”إذا كان السلاح مرخصا فذلك لا يشكل خطورة في المناسبات حيث ان الشخص الذي لديه ترخيصا بغستخدام السلاح يكون عادة ذو دراية تامة بكيفية إستخدامه بحيث لا يعرض الآخرين للخطر.. فمعظم الحوادث الناجمة عن إطلاق الرصاص في المناسبات يتسبب فيها من يحوزون أسلحة غير مرخصة وبالتالي لا يجيدون إستخدامه.
الحلقة القادمة:
ــ ما رأي الدين الإسلامي في إطلاق الرصاص في الأفراح؟
ــ الحرب وإنتشار السلاح في ايدي الكثيرين أسهم في تفاقم المشكلة
ــ لماذا فشل القانون السوداني لحيازة وإستخدام السلاح في إيقاف الظاهرة عند حدها؟
-ما هو الدور الذي يمكن ان يلعبه قادة المجتمع من عمد ومشائخ في مكافحة الظاهرة