
أضعناه حقاً.. فضعنا.. علمي أنت رجائي
بعد .. و .. مسافة
مصطفى ابوالعزائم
*هذا المقال بمناسبة مطالبة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الإنتقالي القائد العام للقوات المسلحة ، بأن نعود إلى علمنا القديم ، علم الإستقلال ، فكثير من أبناء هذا الوطن يتساءلون عن علم السودان .. البعض يرى أننا أضعنا رمز الإستقلال المكون من ثلاثة ألوان ، هي الأزرق والأصفر والأخضر ، والتي حفظها أبناء عهد الإستقلال وما بعده من أمثالنا ، الذين ترسّخ العلم بألوانه الثلاثة في أذهانهم ، فعندما كنا نخرج في إحتفال الإستقلال من مدارسنا في طابور رسمي ، نحيي ذكرى الإستقلال بأناشيد ما زالت في الذاكرة ، أولها (اليوم نرفع راية إستقلالنا) وثانيها (علمي أنت رجائي) والأخير يفصّل في الألوان ورمزيتها.
*جاء نظام حكم الرئيس الراحل جعفر محمد نميري في الخامس والعشرين من مايو 9691م ، وكان المد السياسي والفكري الغالب حينذاك، هوالقائم على أرضيات اليسار والمستند على خلفياته ، المدعوم بمنهج القوميين العرب، الذين كان يعبّر عنهم فكر ثورة 23 يوليو المصرية في العام 1952 م، وزعيمها الراحل الرئيس جمال عبد الناصر.
*تأثر الشباب الثائر بالفكر الماركسي، كما تأثروا بالنهج الناصري، وكان العلم المصري الأخضر ذو الهلال والنجوم المعبّر عن مصر الملكية قد تغيّر في أعقاب الثورة المصرية، وتغيّرت أعلام كثير من الأقطار العربية التي شهدت ثورات وإنقلابات قام بها صغار ضباط الجيش تمشياً مع روح التغيير العامة ، وأصبح العلم الرباعي الألوان ، هو علم كثير من تلك القطار، مع إختلاف الترتيب .. ولك أن تقارن الآن ، فستجد أن كل أعلام الثوار في ذلك الزمان متقاربة بدءاً من مصر وسوريا والعراق واليمن وليبيا وفلسطين والسودان ، وكلها تستشهد بأبيات الشعر التي قالها الشاعر العربي صفي الدين الحلى ، في قصيدته الأشهر (سلي الرماح العوالي) والتي جاء فيها:
إنا لقوم أبت أخلاقنا شرفاً
أن نبتديء بالأذى من ليس يؤذينا
بيض صنائعنا .. سود وقائعنا
خضر مرابعنا .. حمر مواضينا.
*وفي اليوم العشرين من مايو عام 1970 م، إعتمدت حكومة الرئيس جعفر نميري – رحمه الله- علم السودان الحالي بشكله المتعارف عليه الآن، بعد أن طرحت أمر تصميمه في مسابقة عامة، شارك فيها المئات من التشكيليين والمسؤولين والمواطنين ، ليفوز التصميم المقدم من الفنان التشكيلي عبدالرحمن أحمد الجعلي، وهو من خريجي ذلك العام نفسه – 1970م – في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم ، قسم الجرافيك وتم رفع العلم الجديد في الذكرى الثانية لانقلاب مايو، ليتراجع علم الإستقلال الذي صممته السيدة الفضلى، الأستاذة السريرة مكي الصوفي- رحمها الله – والذي كان ينظر له النظام المايوي على أنه رمز للرجعية، وفيه إشارة واضحة للعهد البائد.
*(الهوجة) الثورية تراجعت، والغناء للقومية العربية والذي أضر بكثير من مكونات المجتمعات في عدد من دولنا مثل العراق ، وسوريا ، واليمن ، والسودان ، وليبيا .. ذلك الغناء إنحسر مده ولم يعد يطرب أحداً ، بل إن بعض الدول شهدت ثورات على الثورات ، مثل ليبيا التي عادت إلى علمها القديم ، وبعض الدول عادت إلى سلامها الوطني القديم ، أو وضعت لها سلاماً وطنياً جديداً ، مثل مصر التي عادت إلى أغنية الموسيقار سيد درويش الوطنية الخالدة (بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي) .. وقد كان ذلك في عهد الرئيس الراحل أنور السادات ، الذي إستبدل النشيد الوطني (الله أكبر يا بلادي فأشهدي .. جيش الأعادي جاء يبغي مصرعي) والذي إتخذه أيضاً العقيد الليبي الراحل معمر القذافي نشيداً وطنياً لليبيا في عهد حكمه.
*ليتنا أعدنا النظر في أمر العلم دون إنفعال أو غضب أو حساسيات .. لكن (أبقوا عشرة) على النشيد الوطني (نحن جند الله) الذي سبق وأن برزت أقلام وأصوات تطالب بتغييره
و .. علمي أنت رجائي.. أنت عنوان الولاء.