آخر الأخبار

علم الاستقلال.. دعوة لإعادة ميلاد الدولة السودانية

شيء للوطن

م.صلاح غريبة

 

*لقد تجاوزت الحرب الدائرة في السودان كونها مجرد صراع عسكري إلى أزمة وجودية تتطلب إعادة نظر جذرية في أساسات الدولة وبنيتها. وفي خضم هذا الواقع المُركَّب، تأتي دعوة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى العودة لعلم استقلال السودان برمزية عميقة تتخطى مجرد تغيير الألوان؛ إنها دعوة لإعادة صياغة الدولة من الصفر والبحث عن أسس جديدة لوطن مزقته الصراعات.

*إن اقتراح البرهان باستبدال العلم الحالي بالعلم ثلاثي الألوان (الأزرق، الأصفر، الأخضر)، الذي رُفع في 1 يناير 1956، هو بمثابة إعلان سياسي يُراد به شحذ الهمم وتوجيه البوصلة الوطنية نحو لحظة تأسيسية جامعة. علم الاستقلال، الذي مثَّل حينها رموز النيل والصحراء والخصب، يحمل في طياته براءة المشروع الوطني الأول قبل الانقسامات والانقلابات التي أثقلت كاهل البلاد.

*العودة إلى هذا الرمز هي محاولة لاستحضار الروح الوطنية النقية، التي لم تُدنَّس بعد بالنزعات الإيديولوجية أو التسلط العسكري الذي أدى في نهاية المطاف إلى استبداله عام 1970. إنها إشارة إلى أن إعادة بناء السودان يجب أن تبدأ من نقطة حيادية وجامعة يتفق عليها الجميع، رمزًا للمرحلة الانتقالية التي لا ترث أخطاء الماضي القريب بقدر ما تستلهم من لحظة تأسيس الدولة الحديثة. هذا الرمز، في رؤية البرهان، يمكن أن يواكب عملية إعادة صياغة الدولة السودانية على أسس صحيحة.

*ولكن الرمز وحده لا يكفي لإقامة دولة، ولهذا ترافقت الدعوة لتغيير العلم مع مطالبات أكثر حدة وضرورة تتعلق بالبنية العسكرية والسياسية. لقد شدد البرهان على أن الأزمة الحالية تستوجب تغييراً جذرياً في بنية الدولة ومسار العملية السياسية، مؤكدًا أن إعادة البناء لن تتحقق إلا عبر توافق وطني شامل.

*الأمر الأكثر حسمًا هو الموقف الثابت من قضية قوات الدعم السريع، حيث أشار بوضوح إلى أن أي تسوية سياسية لن تكون مقبولة ما لم تتضمن تفكيك قوات الدعم السريع بشكل كامل وتجريدها من السلاح”. هذه القناعة الراسخة تعكس إدراكاً لجوهر الأزمة السودانية المزمنة: عدم وجود احتكار شرعي للسلطة والقوة بيد الدولة. لطالما كان وجود كيانات عسكرية موازية وغير منضوية تحت سلطة الدولة عقبة أمام بناء مؤسسات وطنية راسخة.

*فشل هيكلة الدولة السودانية على مدار عقود هو الذي سمح بنمو وتغول مثل هذه القوات، وصولاً إلى الاصطدام المسلح الحالي. لذلك، فإن المطالبة بتفكيك الدعم السريع ليست مجرد شرط لإنهاء القتال، بل هي شرط أساسي لإعادة هيكلة الدولة على أساس جيش وطني واحد، ومؤسسات مدنية قوية، واحتكار مشروع للسلطة. دون هذا التفكيك، لن يكون السلام إلا هدنة مؤقتة، وستظل الدولة مُعرَّضة لخطر الانهيار الداخلي في أي لحظة.

*إن ربط البرهان بين العودة لرمز الاستقلال، وتفكيك القوات المتمردة، وضرورة التوافق الوطني الشامل، يشير إلى رؤية مُتكاملة لإعادة بناء الدولة. فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على هدنة عسكرية أو صفقة سياسية ضيقة، بل يجب أن يكون نتاجاً لعملية وطنية واسعة تشمل كافة أطياف المجتمع السوداني.

*هذا التوافق الوطني الشامل هو الإطار الذي يمكن من خلاله تحديد الأسس الصحيحة للدولة الجديدة، سواء كان ذلك في توزيع الثروة والسلطة، أو في العلاقة بين المركز والأطراف، أو في ضمان الانتقال الديمقراطي المستدام.

*في الختام، إن دعوة البرهان للعالم وحلفاء السودان للتحرك لإنهاء الحرب يجب أن تُفهم في سياق هذه المطالب الجذرية. بالدعم الدولي يجب ألا يقتصر على جهود الإغاثة والمفاوضات العابرة، بل يجب أن يركز على مساعدة السودانيين في تحقيق التغيير الجذري الذي تحدث عنه، والذي يبدأ باستعادة رمزية الوحدة (العلم)، ويمر عبر إنهاء حالة تعدد الجيوش (تفكيك الدعم السريع)، وينتهي ببناء دولة حديثة على أسس توافق وطني شامل لا يسمح بتكرار مآسي الماضي. إنها لحظة تاريخية تتطلب من السودان أن يعيد تعريف نفسه، وعلم الاستقلال ما هو إلا إشارة البدء لهذه الرحلة الصعبة.