
كيف نقرأ مبادرة ولي العهد السعودي.. ما إذا كانت دعماً أم إعلاناً لنهاية المغامرة الإماراتية في السودان؟ (3-3)
صهيب حامد
*إذن وإستناداً على تحليل الحلقة السابقة ما إذا كانت الجريمة الإماراتية في اللوغ في الدم السوداني بتوفير السلاح الذي ذبحت به مليشيا الدعم السريع المدنيين العزّل في الفاشر هو مدخل الرجل لتقديم مبادرته أمام الرئيس الأمريكي بالبيت الأبيض أم لا ، ولكن وقبيل الزيارة كانت ثمة تطورات في مكان آخر من العالم تحكي قصة توتر سعودي إماراتي لا تقل ضراوة مما يحدث في السودان!!. فلقد إحتفظت (الرياض) بنفوذ كبير على إقليم حضرموت اليمني منذ بدء الحرب هناك في ٢٠١٦م ، إذ كسب السعوديون ولاء ما يسمى ب(حلف قبائل حضرموت) مقابل قوات النخبة الحضرمية وهي محل نفوذ إماراتي كبير حيث تسيطر هذه القوات على الساحل الحضرمي بما في ذلك العاصمة الحضرمية (المكلأ) المطلة على بحر العرب وهي شهوة إماراتية لا فكاك منها. وكما هو معلوم أنه ومنذ العام ٢٠١٧م لم تعد الحرب في اليمن فقط بين الحلف العربي بقيادة كل من الرياض وأبو ظبي ضد الحوثيين، ولكن إندلع الصراع كذلك بين الحكومة الشرعية اليمنية التي يقودها الرئيس (هادي) وما يسمى بالمجلس الجنوبي الإنتقالي المدعوم إماراتياً هذا الأخير الذي طرد الحكومة الشرعية بقيادة (هادي) من (عدن) لتستقر في الرياض ، وبعدها كي يسيطر المجلس (STC) على كل من محافظات عدن وأبين ولحج وشبوة وكذلك على الساحل الحضرمي ، بينما سيطرت الحكومة الشرعية (الآن مجلس القيادة الرئاسي) على كل من حضرموت (عدا الساحل) والمهرة وجزء من محافظات مأرب والجوف وصعدا والضالع ، وهكذا كي يحتفظ الحوثيون على اليمن الشمالي بما يشمل صعدا والحديدة وصنعاء وأمانة العاصمة والجزء الأكبر من الجوف ومأرب وحجة وعمران وذمار والبيضاء ولحويت وإب والجزء الشمال من الضالع.
*ولكن كل ذلك يمثل نصف القصة، فحضرموت إلى جانب أنها تمثل ٣٦٪من كامل التراب اليمني فهي تحوي كذلك كامل الثروة النفطية اليمنية في منطقة (الهضبة النفطية) التي تقع غرب العاصمة الحضرمية إلى الداخل قليلا من الساحل متوسطة المسافة بين الساحل وحدود حضرموت مع المملكة العربية السعودية مما جعلها ذات أهمية إستراتيجية للرياض. يبدو أن أبو ظبي قد إستشعرت دعماً سعودياً منذ فترة للجيش السوداني، لذا وفي سبيل إبتزاز الرياض واظبت في حشد الدعم لقوات النخبة الحضرمية التابعة للمجلس الانتقالي بقيادة القائد أبو علي الحضرمي. ولكن بعد تحركات ولي العهد محمد بن سلمان بالعاصمة الأمريكية واشنطن والتي فهمتها أبو ظبي كتطويق لجهودها في السودان حثت الإمارات المجلس الإنتقالي لتحريك (قوات النخبة) بقوة قدرها ٣٠٠ عربة دفع رباعي وقطع حربية ثقيلة قوامها مرتزقة من أبين ولحج والضالع حيث يسيطر المجلس الجنوبي وهو ما إستدعى نموذج الدعم السريع في وسائل التواصل الاجتماعي اليمنية هذه الأيام! قبل ذلك ولمعلومات توفرت للرياض بأن محافظ حضرموت (بن ماضي) قد عقد إتفاقات مع الإماراتيين إبان زيارة سرية لأبوظبي، فأشارت الرياض لرئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي بإقالته معيناً أحد قادة المؤتمر الشعبي العام بديلاً له وهي الخطوة التي أثارت المزيد من الحساسيات. وكرد فعل من الرياض للحشود من قبل القوات المدعومة إماراتياً في حضرموت تحركت قوات الشيخ عمرو بن حبريش رئيس تحالف قبائل حضرموت (المدعوم سعودياً) يوم الخميس الفائت ٢٧ نوفمبر بالسيطرة على منطقة الشركات بالهضبة النفطية وهي منطقة محصنة للحيلولة دون وصول قوات أبو علي الحضرمي التابعة للمجلس الجنوبي المدعوم إماراتياً إلى هناك بل هدد الشيخ حبريش بمهاجمة مدينة المكلأ التي تتركز فيها قوات النخبة المدعومة إماراتياً منذ العام ٢٠١٦م.
*وهنا نكتشف العلاقة بين حرب السودان وحرب الوكالة (Proxy war) الدائرة اليوم بحضرموت! فلقد تناهت المعلومات للمخابرات السعودية قبل شهر حول حاويات أسلحة مثيرة للإنتباه تم إنزالها في الفترة القليلة الفائتة بجزيرة سوقطرة (Socatra). وهي جزيرة يمنية سيطرت عليها الإمارات جنوب الساحل اليمني (٣٥٠ كلم من المكلأ) في عمق المحيط الهندي، وقد واظبت أبو ظبي على إستخدام الجزيرة كنقطة لوجستية إنتقالية لنقل السلاح منها إلى ميناء (بوصاصو) بإقليم بونتلاند ومنها بالطيران إلى نيالا وأم جرس، حيث تعتقد المخابرات السعودية أن الهدف النهائي لهذه الأسلحة هذه المرة ليس هو السودان بل لتغذية (قوات النخبة) حضرموت! لذا ومنذ فترة نمى يقين لدى السعوديين أنّ هدف المطالبة ب(الهدنة) في السودان – وهو هدف ألحّ عليه الإماراتيون منذ فترة بشدة ومن ورائهم مليشيا الدعم السريع- ليس لتلبية الأغراض الانسانية بل في سبيل منح الإماراتيين الفرصة للتركيز على دعم قوات النخبة حضرموت. وبذا يصبح يقيناً ما كان ظنّاً أن رفض الهدنة مع مليشيا الدعم السريع ليس مصلحة سودانية فحسب بل هو خيار سعودي كذلك لتمكين قوات الشيخ عمرو حبريش من إحكام سيطرتها على كامل المناطق الإستراتيجية حول المكلأ ووادي حضرموت ومن ثم القيام بطرد قوات النخبة من الساحل الحضرمي وإعلان الإستقلال الذاتي كما ذكر ذلك الشيخ حبريش يوم الخميس الفائت وفق خطة سعودية لتأمين مناطق إنتاج النفط هناك. كذلك فإن ذلك يفسر الضعف الذي بدا في الجبهة الميدانية للمليشيا في الأيام الفائتة بل الإنسحابات التي لم يكن ثمة تفسير لدوافعها.
*إذن.. ماذا نخلص من قراءة التطورات في المشهد اليمني؟.. أولاً أن موقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان في رفض الهدنة الإنسانية لم يكن موقفاً معزولاً بل مدعوم إقليمياً من دولة ذات قيمة وازنة وهي المملكة العربية السعودية ، ثم قطعاً وبألف ولام العهد أن الموقف السعودي قد صار مواتياًَ للجيش السوداني بفتح جبهة إستنزاف جديدة لأبوظبي بحضرموت اليمن وهو صراع ليس من نفّاج لتفاديه خصوصاً وأن تحالف القبائل الحضرمية قد عقدتة عزمه لطرد قوات النخبة المدعومة إماراتياً والمسيطرة هناك منذ عشر سنوات. لكن الخبر السئ هو أنه وبقراءة المشهد الكلي لتقاطعات الموقف الجيوسياسي لكلٍ من الرياض وأبو ظبي يتضح جلياً أن المبعوث الأمريكي مسعد بولس يلعب كلياً لصالح (أبو ظبي) وهو موقف يبدو أن قد اغضب (الرياض) ولكن الرهان الكلي والنهائي ليس على موقف (السمسار) بل نتاج التفاعلات متوسطة المدى للمصالح والعلاقات السعودية الأمريكية وحجم الترليونات التي ترنّ في أذن الرئيس ترمب. ولكن المفرح في ذات الآن أنّ موقف ولي العهد السعودي المتمثل في مبادرته الأخيرة هو فعلاً يمثل إنشقاقاً خطيراً وعلنياً في جدار العلاقات السعودية الإماراتية وليس دعماً للرباعية كما حاول الإماراتيون ومن ورائهم أنصار المليشيا إيهام العالم وهو تطور سوف يكون له تداعيات غاية في التأثير على مسار الحرب في السودان لصالح الجيش السوداني.