آخر الأخبار

التجارة في الطب (العيادات الخاصة) .. المال مقابل الإهمال

متابعة – هيثم السيد:
مع ازدياد إتجاه الناس للعلاج بالمستشفيات الخاصة في ظل ضعف الخدمات بالمرافق الصحية الحكومية التي فرضت الاعتماد على عيادات الأطباء الأخصائيين، تزداد الشكاوى من رداءة الخدمات المتعلقة براحة المرضى ومرافقيهم وترتفع الأصوات المطالبة بتحسين الخدمات بالمستوصفات والعيادات الخاصة التي أنهكت المواطنين بالصرف العالي كرسوم لمقابلة الاخصائيين بالمشافي والعيادات الخاصة.
بالنظر للعيادات الخاصة التي تقع خارج المستشفيات الحكومية نجد أن غالبيتها تفتقد لمقومات الخدمات الأساسية مقارنة بما تتحصله هذه المراكز من أموال يدفعها المواطن من دم قلبه ،لكن للأسف الشديد فإن غالبية الأطباء يتخذون من العيادات الخاصة وسيلة لجني الأموال الطائلة دون أن يقابل ذلك خدمة تحمل قدرا من الاحترام للمريض ومرافقيه ،كما أن المستثمرين الذين أقتحموا المجال الطبي من زاوية تجارية لايقلون سوءا عن الأطباء الذين أنتزعت من غالبيتهم الرحمة.
معاناة الولايات:


قبل الحرب كانت الخرطوم العاصمة قبلة لمواطني الولايات الباحثين عن العلاج المتطور وعن كبار الاخصائيين ،وبعد اندلاع الحرب بالعاصمة اتجه غالبية الاخصائيين من الأطباء إلى مدن الولايات الآمنة، ومارسوا عملهم هناك في مواقع لا تصلح لممارسة مهنة الطب ،مع تزايد تدافع المرضى نحوهم ، لكن الأطباء الذين يعملون أصلا بتلك المدن لايختلف حالهم عن بقية زملائهم الوافدين ،ولاحظنا خلال جولتنا بعدد من المدن بالنيل الأبيض والجزيرة ونهر النيل تشابه أوضاع المواقع الطبية من حيث السوء ،خاصة العيادات الخاصة.
في مدينة ربك عاصمة ولاية النيل الأبيض لاحظنا إستخدام المنازل السكنية والمحلات التجارية (الدكاكين) كعيادات ومعامل ،وفي الدويم نجد الحال أسوأ بكثير عن بقية المناطق ، حيث دخلنا إلى أحد المجمعات الطبية الذي يضم مجموعة من أشهر الاخصائيين ،ووجدنا المرضى يفترشون الأرض ،وأخرين يتقاسمون الجلوس على كنب متهالك في صالة تفتقد للتهوية ،والمجمع أصلا عبارة عن منزل سكني شيد قبل حوالي ٦٠ عاما ،وهو مبنى قديم ومهمل ،وذات الحال ينطبق على عدد من المجمعات الأخرى بالدويم ،تقوم على اذلال المواطن واستغلال حوجته للعلاج دون أن يقابل ذلك أدنى درجات الاحترام لآدمية الانسان.
شبكة تجارية:
يشكو عدد من المواطنين من تعامل أحد الأطباء المشهورين بالدويم ،ويقول الأستاذ حسين الحاج:
ذهبت إلى عيادة طبيب مشهور للحجز لمقابلته ،طالبني الموظف المسئول عن الحجز بدفع مبلغ ٣٠ ألف جنيه ،وأن أحضر لمقابلة الطبيب في اليوم التالي بحجة أن العدد المحدد للحجز اليوم قد اكتمل ،ولما حضرت في الساعة العاشرة من اليوم التالي ،لم أجد مكانا أجلس عليه ،فقد كان هناك عدد من المرضى قد أفترشوا الكنب والكراسي ،جلست تحت رقراق ظل شجرة ،لاحظت أن موظف الحجز يتعامل مع المرضى بطريقة عنجهية ، قوم انت أقعد هناك لما يجي دورك بناديك
اي زول بننده اسمه وماجاء طوالي بنشوف غيرو ..ويضيف حسين الحاج
لولا الحوجة للعلاج لما جلست دقيقة ،فقد إحسست بالذلة والاهانة ،المهم حوالي الساعة ١١ وربع دخلت لمقابلة الطبيب ،بدأت أشرح له مشكلتي فكتب لي روشتة فحوصات قبل أن اكمل الشرح جيدا ،وحدد لي المعمل لاجراء الفحوصات ،حاولت أن أفصل له ،فقاطعني وقال لي أعمل الفحوصات دى وتعال بكرة ..يعني بالواضح كدا اتخارج لينا
خرجت وقد إزدادت آلامي بسبب التعامل الغريب داخل المكان الذي جئته بحثا عن العلاج.
وضع غريب:


ماحدث للمواطن حسين يحدث يوميا في أماكن كثيرة بمدن السودان ،قبل فترة قمنا بجولة في مدينة ٢٤ القرشي بالجزيرة ،لاحظنا اكتظاظ المواطنين أمام المعامل والعيادات الخاصة ،ذلك بسبب ضعف الخدمات داخل المستشفى ،وعندما دخلنا لمستشفى المدينة التعليمي للاستفسار عن حالها ومشاكلها لم نجد المدير ،فقد كان وقتها في عيادته الخاصة خارج المستشفى.
غياب الرقابة:
للمراكز الطبية مواصفات محددة واشتراطات مسبقة للتصديق لها بالعمل ،لكن الوضع في السودان الآن مختلف ،الكل يبحث عن مكان قريب من المستشفيات أوالأسواق ويقيم عليه مستوصفا أوعيادة دون مراعاة للاشتراطات في ظل تغاضي الجهات المختصة عن الرقابة على المراكز الطبية، ومخالفات أخرى تتعلق بالتعديات عن الشارع العام وعلى الأحياء السكنية ،حتى أن الاستثمار في المرض أصبح مرضا ،وكلها مؤشرات لانعدام الرحمة والانسانية من القلوب ،إلا من رحم ربي.