
اليوم الثالث الذي كُسِر فيه الصمت الإستراتيجي…حرب الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران ومعركة كسر الإرادات
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*في يومها الثالث، لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرّد مواجهة عسكرية عابرة أو تصعيد محسوب ضمن قواعد اشتباك تقليدية، بل تحوّلت إلى صراع مفتوح تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الطموحات السياسية، وتتصادم فيه مفاهيم الردع مع مشاريع إعادة تشكيل النظام الإقليمي.
*لقد بدا هذا اليوم مفصليًا، لأنه كشف بوضوح أن ما يجري يتجاوز حدود الضربات الوقائية، ليدخل في إطار معركة كسر إرادات، وتحديد ملامح الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب.
*التصعيد العسكري في اليوم الثالث عكس انتقال العمليات من مرحلة الإرباك والإنذار إلى مرحلة الاستنزاف المنهجي. فالضربات لم تعد تستهدف فقط مواقع عسكرية معزولة، بل طالت البنية التحتية الإستراتيجية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، ومنظومات الصواريخ بعيدة المدى، ومراكز القيادة والسيطرة، في محاولة لإضعاف قدرة إيران على الصمود طويل الأمد.
*في المقابل، جاء الرد الإيراني ليؤكد أن طهران لا تنظر إلى ما يحدث باعتباره ضربة محدودة، بل حربًا تمس سيادتها ووجودها الإقليمي، وهو ما دفعها إلى توسيع دائرة الرد باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإرسال رسائل مباشرة إلى إسرائيل وحلفائها بأن كلفة الحرب لن تكون من طرف واحد.
*في هذا السياق، برز خطاب رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بوصفه أحد أبرز ملامح اليوم الثالث، ليس فقط من حيث حدّته، بل من حيث ما يحمله من دلالات سياسية عميقة. فقد أكد نتنياهو أن (الآن هو الوقت المناسب للتخلص من نير الاستبداد في إيران)، في إشارة واضحة إلى أن الحرب، وفق رؤيته، لم تعد مقتصرة على منع تهديد عسكري آني، بل تهدف إلى إضعاف النظام الإيراني ذاته، وربما الدفع نحو تغييرات داخلية أو إقليمية واسعة.
*هذا الخطاب يكشف تحوّلًا نوعيًا في السردية الإسرائيلية، من منطق الدفاع الوقائي إلى منطق الهجوم الإستراتيجي طويل المدى. كما وصف نتنياهو إيران بأنها (نظام إرهابي قاتل)، على حدّ زعمه، معتبرًا أن امتلاك هذا النظام لسلاح نووي يشكل تهديدًا لا لإسرائيل وحدها، بل للبشرية جمعاء.
*ويعكس هذا الوصف محاولة لتأطير الحرب أخلاقيًا وسياسيًا على الساحة الدولية، وتقديمها باعتبارها معركة بين (الأمن العالمي) و(الخطر الكوني).. هذا الخطاب موجّه بالأساس إلى الرأي العام الغربي وصنّاع القرار الدوليين، بهدف ضمان استمرار الدعم السياسي والعسكري، وتقليص هامش الضغوط الداعية إلى وقف العمليات قبل تحقيق أهدافها.
*أمّا حديث نتنياهو، على حدّ عزمه – أو على حدّ تعبيره – بأن إسرائيل (تغيّر وجه الشرق الأوسط)، فيكشف البعد الأعمق لهذه الحرب.. فالصراع، من هذا المنظور، لا يقتصر على كبح البرنامج النووي الإيراني، بل يمتد إلى إعادة هندسة التوازنات الإقليمية، وإضعاف النفوذ الإيراني في مناطق عدة، وتقليص قدرة طهران على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي.
*وعليه، يمكن النظر إلى اليوم الثالث من الحرب بوصفه لحظة انتقال من منطق الردع المتبادل إلى منطق فرض الوقائع بالقوة، حيث تسعى إسرائيل، بدعم أمريكي مباشر، إلى استغلال اللحظة التاريخية لإحداث تحوّل جذري في البيئة الإستراتيجية المحيطة بها.
*في المقابل، تدرك إيران أن نتائج هذه الحرب ستنعكس على موقعها الإقليمي لعقود قادمة، ولذلك تحاول الموازنة بين ردّ قاسٍ يحفظ هيبتها ويؤكد قدرتها على الصمود، وبين تجنب الانجرار إلى حرب شاملة قد تستنزف مواردها الاقتصادية والعسكرية. هذا التوازن الحذر يظهر في طبيعة ردودها، التي تجمع بين الضربات المحسوبة والرسائل الرمزية، مع إبقاء باب التصعيد مفتوحًا إذا استمرت الهجمات على عمقها الإستراتيجي.
*دوليًا، يزداد القلق من أن يؤدي استمرار القتال إلى توسيع رقعة الحرب، بما يهدد استقرار المنطقة وأسواق الطاقة وخطوط الملاحة العالمية.. غير أن اليوم الثالث أظهر بوضوح أن الدعوات إلى التهدئة لم تعد كافية لوقف مسار التصعيد، في ظل تمسّك كل طرف بروايته وأهدافه، وإصراره على تحسين موقعه التفاوضي عبر الميدان قبل أي مسار سياسي محتمل.
*في المحصلة، يمثّل اليوم الثالث من هذه الحرب نقطة تحوّل حاسمة، ليس فقط في مسار الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بل في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر. فهو اليوم الذي تبلورت فيه ملامح معركة تتجاوز حدود الجغرافيا العسكرية، لتطال شكل النظام الإقليمي ذاته، حيث تتقاطع القوة مع السياسة، وتتصادم الطموحات مع المخاوف، ويصبح مستقبل المنطقة رهينًا بنتائج حرب لم تُحسم بعد، لكنها بلا شك ستترك آثارًا عميقة وطويلة الأمد على موازين القوة والاستقرار الإقليمي والدولي.