آخر الأخبار

(أصداء سودانية) تفتح ملف الخطوط البحرية السودانية(1)

  • البواخر السودانية كانت تبحر لموانئ العالم بكبرياء طائر النورس
  • الملياردير اليوناني (اوناسيس) يشيد بالخطوط البحرية السودانية
  • الموانئ الأوربية كانت تستقبل البواخر السودانية بالموسيقى إعجابا وتقديرا بها
  • سنار واركويت اول باخرتين تمتلكها الخطوط البحرية السودانية عام 1963

تحقيق ــ التاج عثمان:

الخطوط البحرية السودانية، (الناقل الوطني)، كانت تعد من أشهر وأوائل الخطوط البحرية في أفريقيا والشرق الأوسط وظلت تتمسك بهذا التفوق سنينا عددا.. تبحر بكبرياء طائر النورس لمعظم الموانئ الاوربية والأفريقية والشرق أوسطية.. كان أسطولها البحري التجاري الأكبر والأقدم بالمنطقة لا ينافسه سوى الأسطول التجاري المصري.. (أصداء سودانية) تبحر معكم مع الناقل الوطني البحري (سودانلاين) منذ إنطلاقته وإبحاره بأعالي البحار حتى غرق وغاص داخل بحر متلاطم من أمواج الإهمال والفساد الإداري وأشياء أخرى نتناولها بالتفصيل على حلقات عبر هذا الملف.
شهادة الملياردير اوناسيس:
أوائل الثمانينات إلتحقت بمعهد (بيريه للعلوم البحرية) بمدينة وميناء (بيريه) قرب العاصمة اليونانية اثينا باليونان، المعهد كان بمثابة مرحلة إعدادية يؤهل الطالب الإلتحاق بواحدة من أكاديميات البحرية المنتشرة بالجزر اليونانية ليتخرج كابتن او مهندس بحري بأعالي البحار، وفي نفس الوقت كنت أدرس اللغات بجامعة أثينا.. لكنني بعد شهور قليلة تحصلت على فرصة مواتية للإلتحاق بقسم الصحافة والنشر بجامعة الأزهر الشريف بالعاصمة المصرية القاهرة، وهي كانت رغبتي الأولى والتي لم أحظى بها اثناء تواجدي بأثينا حيث ان دراسة الصحافة بالجامعات اليونانية وقتها كانت حصريا على أبنائهم من المتفوقين، فقد كانت ولا تزال كليات الصحافة من الكليات المرموقة في اليونان بل وفي كل الدول الاوربية، فتركت دراسة البحرية واللغات وتوجهت من فوري لجامعة للأزهر الشريف بالعاصمة المصرية القاهرة لدراسة الصحافة والتي قضيت داخل اروقتها وقاعاتها أربع سنوات كاملة نهلت فيها من علوم الصحافة والنشر بجانب العلوم الدينية من تفسير، وفقه، وعقيدة، وتصوف، وأحاديث نبوية، وغيرها.
مناسبة هذا السرد التمهيدي للتحقيق الصحفي الخاص بالخطوط البحرية السودانية، ان من أوائل المحاضرات التي تلقيتها بمعهد بيريه باليونان، كانت محاضرة عن تاريخ البحرية التجارية في العالم، حيث حاضرنا الأستاذ، وهو إغريقي من قدامى قباطنة السفن التي تجوب المحيطات والبحار، لا أنسى انه تحدث طويلا في محاضرته للطلبة البحريين من مختلف الجنسيات الافريقية والاسيوية والعربية والاوربية أيضا، تحدث الأستاذ القبطان في المحاضرة بإسهاب عن الخطوط البحرية السودانية بصفتها من الدول الرائدة التي كانت تمتلك (أسطول بحري) تجاري لا تمتلك مثله اية دولة في افريقيا والشرق الأوسط سوى مصر.. حقيقة عندما سمعت بتلك المعلومة وانا طالب من بين عشرات الطلاب الأجانب بالمعهد البحري بميناء بيريه اليوناني، تملكتني حالة من الزهو والفخر والإعتزاز بخطوطنا البحرية السودانية التي كانت وقتها تحتل الريادة وتحظى بشهرة عالمية وإقليمية وسط الأساطيل البحرية التجارية الأخرى.. واستشهد القبطان اليوناني في محاضرته تلك بما صرح به الملياردير اليوناني (أوناسيس)، صاحب أكبر اسطول بحري في العالم في الستينات والسبعينات، عن الخطوط البحرية السودانية، ونقل لنا الأستاذ حديث وإعجاب الملياردير العالمي (اوناسيس) عن الخطوط البحرية السودانية في تلك الحقبة.. يقول اوناسيس:
بإستطاعة الاسطول البحري السوداني ــ يقصد الخطوط البحرية السودانية التجارية ــ ان يصبح أكبر اسطول بحري في افريقيا والشرق الأوسط.. وكان يمكن ان ترص السفن السودانية من ميناء بورتسودان حتى ميناء جدة وتسير عليها بأقدامك حتى تصل السعودية.
طبعا حديث الملياردير اوناسيس فيه كثير من المبالغة لكنه أراد التعبير عن إعجابه بالخطوط البحرية السودانية لكونها كانت تختار أفضل السفن لأسطولها وتهتم بصيانتها الدورية، ويتميز طاقمها البحري السوداني من كباتن ومهندسين بحريين بالمهارة والإنضباط في العمل، ومواعيد الإبحار والوصول للموانئ المختلفة في الوقت المحدد دون تباطؤ او تأخير.. هذه الصفات ذكرها الملياردير اليوناني اوناسيس والذي كان يلقب وقتها بـ(ملك البحار)، في مذكراته، حيث كان يمتلك أكبر أسطول بحري تجاري في العالم في تلك الحقبة.. وكان يعد أغنى أغنياء العالم حتى السبعينات، وتزوج الحسناء الأمريكية (جاكلين كنيدي)، أرملة الرئيس الأمريكي الأسبق (جون كنيدي)، وتوفي ارسطو اوناسيس ملك البحار المعجب بالخطوط البحرية السودانية التجارية، في 15 مارس 1975، ودفن بجزيرة (سكوربيوس) باليونان
إنطلاقة الناقل البحري:
تعد الخطوط البحرية السودانية من أوائل شركات النقل البحري في افريقيا والشرق الأوسط، تاسسا كفكرة عام 1959، وبدات نشاطها التجاري عام 1962 كشركة ملاحية بحرية مشتركة بن السودان ويوغسلافيا، وتم تسجيلها كشركة بحرية مملوكة للدولة السودانية عام 1963، وبدت عملها بإمتلاك باخرتين عام 1963 خلال عهد الرئيس السوداني الأسبق الفريق، إبراهيم عبود، هما الباخرتين (سنار) و(اركويت).. وكانت وزارة المالية السودانية تملك 99% من اسهم الشركة، وبنك السودان المركزي يملك 1% من الأسهم، وحسب الإتفاقية المبرمة وقتها كانت الشركة تحت إشراف وزارة النقل.. وجاء في عقد التأسيس ان مهام شركة الخطوط البحرية السودانية تتمثل في الأنشطة التالية:
ــ شراء والإستثمار في السفن وتشغيلها لنقل البضائع والركاب.
ــ القيام بخدمات الشحن والتفريغ للبضائع العامة والإنشائية بجميع الموانئ السودانية.
ــ التخليص الجمركي، بجانب الترحيل الداخلي، والنقل الداخلي، والنقل البري.
ــ التوكيلات الملاحية لتمثيل البواخر الأجنبية امام سلطات الموانئ السودانية.
ــ خدمات السفر والسياحة بحرا وجوا عبر وكلاتها المعتمدة من منظمة إياتا (أي إيه تي إيه).
البواخر السودانية الخضراء:
كما يقولون، ولدت شركة الخطوط البحرية السودانية بأنيابها، كانت مكتملة التأسيس تسير بخطى علمية مدروسة وتمتلك بنية تحتية قوية، حيث كان لديها مخزون متنوع من الحاويات بين (20 ــ 40) حاوية، وورش لصيانة الحاويات وماكينات تقنية، واليات تفريغ ومناولة حديثه في وقتها، ومستودعات بمواقع إستراتيجية، ومباني مؤهلة بالخرطوم وبورتسودان، وكوادر بشرية مؤهلة ذات خبرة عالمية، وأنظمة تشغيل متطورة.. بإختصار، وكما أشار لي أحد قدامى المهندسين والإداريين السابقين بالشركة:
كانت البواخر السودانية التابعة للخطوط البحرية السودانية تلقب بـ(البواخر الخضراء)، حيث كانت موانئ أوروبا تستقبلها بالسلام الجمهوري السوداني إحتفاء بها وبعظمتها.. ومنذ العام 1962 ظل الاسطول التجاري التابع لشركة الخطوط البحرية السودانية هو الأكبر في العالم الثالث، ولم يكن هناك أسطولا آخر يتفوق عليه سوى الاسطول البحري التجاري المصري.. حيث كانت شركة سودان لاين الخطوط البحرية السودانية (سودانلاين)، تمتلك اسطولا من البواخر التجارية، لنقل الركاب والبضائع، قوامه 15 باخرة: (تبحر بكبرياء طائر النورس).. وعندما ترسو باخرة سودانية بإحدى الموانئ الأوربية كانت تستقبل بحفاوة وإعجاب وكانت تفتح أبوابها للمعجبين الاوربيين وطلاب كليات البحرية الدخول لها والتجول داخلها.
وكانت هيئة الموانئ البحرية السودانية تحظى بأهمية كبرى خاصة على ساحل البحر الأحمر، نظرا لطول الساحل السوداني على البحر الأحمر، حيث كان يبلغ طوله قبل تقسيمه 800 كيلو متر، وتمتلك هيئة الموانئ البحرية السودانية موانئ متخصصة في مجالات مختلفة، كالبضائع، والحاويات، والحبوب، والسوائل، والماشية،وكانت تشرف على كل الموانئ لبحرية والنهرية السوداني: ()بورتسودان ــ سواكن ـ عثمان دقنة ــ اوسيف ــ كوستي ــ سلوم الجاف)، جميعها كانت موانئ نشطة لا تهداء من عمليات التصدير والإستيراد لشتى البضائع والمنتجات السودانية من قطن، وسمسم، وصمغ عربي، وزيوت نباتية، وكركدي، وماشية بأنواعها، وكانت هيئة الموانئ البحرية السودانية تعد الذراع الأيمن لشركة الخطوط البحرية السودانية، حيث كانت تقوم بعمليات تصدير وإستيراد ضخمة، خاصة من ميناء بورتسودان والموانئ الأخرى التابعه له، واكبرها الميناء الجنوبي المتخصص في إستقبال الحاويات، والميناء الأخضر المتخصص في إستقبال البواخر المحملة بالبضائع، وميناء سواكن المتخصص في خدمة الركاب والبضائع المتجهه إلى ميناء جدة بالمملكة العربية السعودية.
نواصل