آخر الأخبار

حكايات حارتنا 7 – شاعر دفتر (أبو عشرين)

 

أحمد السماري – السعودية:

في تلك الأيام، كانت الحارة هي الدنيا بكل تنوعها وأطيافها؛ مسرح الطفولة والمراهقة، ومناظر الدهشة الأولى. وكانت الذاكرة، على رحابتها، تعجز أحيانًا عن احتواء تفاصيلها الجميلة. كان صديقنا اسمه حمود؛ أحد فتيان الحارة، من مرهفين الإحساس، وشاعر. وإن بدا في الحقيقة مشروع شاعر واعدًا تحت التجريب؛ يجرّب الأوزان، ويتمتم: “سجعًا كسجع الكهان”. يلتقط شراراته من أغاني فهد بن سعيد وعيسى الأحسائي، ومن بعض المجلات الفنية، ويلحن عندما يقرأ قصائد الشعراء المعاصرون. وكان أقصى طموحه أن يغنّي فنان الحارة (بدر الحبيش) إحدى قصائده… وهو ما لم يحدث

يحكي حمود:

كنتُ ذات مرة أقف عند إحدى البقالات، أتظاهر بالانشغال في شراء شيءٍ لا أريده أصلًا، حين لمحتُ فتاةً مع أخيها الأصغر. كانت تغطي وجهها بغطوة خفيفة، تكسر بها حدّة الضوء المنبعث من وجهٍ وضّاء، على ذلك النحو الذي يصيب الجسد بقشعريرةٍ مفاجئة. كان أخوها الصغير يكلّمها، فتضحك له ضحكةً بحياء؛ تشعّ معها عيناها، ويشرق وجهها كما لو أن شراراتِ لحامٍ تتطاير من عينيها وملامحها.

ثم، وفي لمحةٍ لا تُقاس بالزمن استدارت نحوي

لم تمنحني الضحكة كلها… فقط كسرة صغيرة منها. شظية خفيفة، كأنها تقول:

 

خذ نصيبك أيها الغريب

رسالة واضحة، مفهومة حدّ الوقاحة العذبة، كأنها تقول:

أنا أضحك لك أنت يا (المُفهي)

فتذكرتُ أغنية عبد الحليم:

ضحكت لنا أنا وهو… وقالت: أنا بضحك لك يا سمراني

يقول (المُفهي) حمود إنه لم يكن يملك خطة، ولا حتى شجاعة المبادرة. تجمّد هناك، بين الدهشة والارتباك، مثل جندي حراسة بلا أوامر. ويضحك وهو يعلّق:

مثل أطفال الحارة يركضون خلف سيارة الرش؛ فإذا توقفت السيارة لم يعرفوا ماذا يفعلون. هكذا كن

لكن الموقف انتهى… ولم ينتهِ داخله

يقول:

طريقتها الأنثوية، ونظراتها، هزّتني فعلًا. كانت شيئًا يشبه نسيم العصر في برحة الحارة المرشوشة بالمياه، استعدادًا لليلة فرح؛ تُحَسّ به ولا يمكن التمكّن منه. ولو أنها طلبت مني يومها أن أخطبها وأتزوجها وأذهب بها إلى آخر العالم لفعلت، بلا ترددٍ ولا جوازات… ولكن

 

عاد حمود إلى البيت تلك الليلة، وشيطان الشعر يثير في رأسه ضجيجًا لا يشبه الضجيج. فتح دفتر “أبو عشرين”، ذلك الدفتر الذي كان يحفظ فيه قصائده، وجلس يكتب. خرج منه بيتٌ وحيدٌ ويتيم، كما لو أنه أثرٌ أخير لذلك الارتباك الجميل:

(وتكتبُ العينانِ ما لا يُقالُ لنا

ويصبحُ الصمتُ… أصدقَ ما يُفهَما)

ثم

صمت

 

انتظر البيت الثاني

ليلة… أسبوع… شهر… سنة

حتى رحلنا من الحارة

ولا شيء

وبعد مرور عقودٍ طويلة، قرأتُ البيت يتنقّل في حسابات مواقع التواصل، هائمًا بلا اسم، كما لو أنه لم يولد في تلك الحارة المنسية.

قابلتُ حمود بعد سنواتٍ بالصدفة. وبعد السلام والسؤال عن الحال والأحوال، ذكّرته بذلك البيت. فردّ بابتسامته التي لم تتغير كثيرًا؛ ابتسامةٍ يعرفها الحنين، ويعرفها الحظّ الرديء

بعد ذلك البيت.. أُصبتُ بأطول انسدادٍ كتابي بقية حياتي.… أمّا الإلهام فقرر أن يختفي في سكيك الحارة

وهكذا بقيت الفتاة مجهولة الاسم

وبقي البيت هائمًا في العالم الافتراضي

وبقي حمود شاعر الحارة… يطارده نصف ضحكةٍ من ذلك الزمن البعيد؛ الزمن الذي لا يعود… لكنه لا يغادر أبدًا