آخر الأخبار

أشهر الجرائم والقضايا بالمحاكم السودانية.. (6)

 

  • الأب الشرس.. أغرب وأطول قضية في تاريخ القضاء السوداني
  • إستمرت ثلاث سنوات.. المدعي الأب بينما زوجته وبناته الخمس داخل قفص الإتهام
  • إبن الشاكي يشهد بالزور ضد والدته فتسبب عود في فقأ عينه نفس يوم الجلسة

إعداد: التاج عثمان
*قضية شهدتها بنفسي بل كنت أحد المتهمين فيها تعد اغرب واطول قضية في تاريخ القضاء السوداني حدثت فصولها في نهاية التسعينات.. اب فتح بلاغ إشانة سمعة ضد صحيفة (اخبار الحوادث) المتخصصة في الحوادث والتي كانت تصدر بالخرطوم وكنت اتشرف برئاسة تحريرها بسبب تحقيق صحفي حول شكوى بناته الخمس وزوجته من تعرضهن للضرب والمعاملة القاسية من والدهن لدرجة انه قام بقذف إحدى بناته من السيارة التي كان يقودها أثناء إنطلاقها في الطريق الأسفلتي متسببا لها في إصابات بالغة.. وإليكم التفاصيل الغريبة عبر هذه الحلقة السادسة من حلقات أشهر الجرائم والقضايا بالمحاكم السودانية*
الأب الشرس
البداية كانت كانت شكوى من أم بمنطقة شرق النيل تشكو فيها زوجها من المعاملة القاسية وغير الإنسانية التي كان يعاملها بها مع بناتها الخمس وعدم الإنفاق عليهن، فكلفت مدير التحرير الأستاذ عوض دنقلاوي إجراء تحقيق صحفي مع الأم ثم الإنتقال للمنزل للإستماع لبناتها الخمس وقد كان، وحاولنا الإتصال بالزوج لكنه رفض الحديث.. وعلى الفور نشرنا بصحيفة (أخبار الحوادث) ذائعة الصيت والإنتشار، نشرنا تحقيقا صحفيا يعد من أشهر التحقيقات الصحفية في الصحافة السودانية، وإخترت له عنوان: (الأب الشرس) ليعبر عن حالة ذلك الاب وقسوة تعاملة الغريب مع بناته.. ولم نتفاجا عندما وصلنا محضر من الشرطة بخصوص بلاغ إشانة سمعة قام بتدوينه ضد الصحيفة ممثلة في شخصي رئيس التحرير متهم اول، ومدير التحرير متهم ثاني، وزوجة الشاكي وبناته الخمس متهم ثالث.. وبعد أن قام المتحري في القضية أخذ أقوالنا جميعا بالقسم الشمالي الخرطوم تم تحديد الجلسة بمحكمة جنايات الخرطوم وكانت وقتها بمقر مجلس الوزراء الحالي من جهة شارع الجامعة.
داخل المحكمة
يوم الجلسة المحدد حضر جميع المتهمين السبعة ــ المدعي عليهم ــ شخصي رئيس التحرير ومدير التحرير كاتب التحقيق الصحفي، بجانب زوجة وبنات الشاكي ــ المدعي ــ وقفنا جميعا كمتهمين داخل قفص الإتهام، بحضور محامي عن المدعي، بينما رفضت توكيل محامي للصحيفة رغم وجود مستشار قانوني خاص للصحيفة إلا أنني طلبت منه عدم حضور جلسات المحكمة وقلت له أنني سوف اترافع بنفسي في القضية.. وعندما علم القاضي وحضور الجلسة ان البنات اللاتي يقفن داخل قفص الإتهام هن بنات الشاكي سرت همهمة من الحضور ولاحظت بعض علامات الإمتعاض والإستنكار من القاضي نفسه.. وقام القاضي بتدوين أقوال الاب الشاكي والذي أشار في أقواله ان نشر التحقيق الصحفي ووصفه في العنوان الرئيسي بـ(الأب الشرس) يعده إشانة سمعة له.. مؤكدا ان ما ذكرته الصحيفة على لسان زوجته وبناته معاملتهن معاملة قاسية غير كريمة خاصة اثناء تعاطيه الخمر لا أساس له من الصحة مدعيا انه لا يتعاطى الخمر إطلاقا ولم يقم بضرب زوجته وبناته.. وان ما نشرته الصحيفة تسبب في إشانة سمعة بالغة له، ولذلك طالب الصحيفة بتعويض مالي كبير.
في اقوالي كمتهم اول بصفتي رئيس التحرير أوضحت للمحكمة:” اننا إستقينا المعلومات المنشورة بالصحيفة من زوجة وبنات الشاكي وحاولنا إستنطاق والدهم عن مدى صحتها إلا انه رفض الحديث للصحيفة وقام بتهديدنا اننا إذا نشرنا الموضوع فإنه سوف يقاضينا في المحكمة، ولما كنا واثقين من صحة المعلومات التي تحصلنا عليها من زوجته وبناته ولتأكيدها إستطلعنا بعض الجيران ومعارف الزوج وزملائه في العمل حيث انه كان يعمل سائق تاكسي فأكدوا لنا صدق اقوال زوجته وبناتهن وعلى الفور قمنا بنشر التحقيق الصحفي على حلقتين”.
اما اقوال الزوجة وبناتها فقد تطابقت مع أقوالي واقوال مدير التحقيق، حيث ان بناته أكدن ان والدهن يأتي يوميا ليلا مخمورا ويقوم بضربهن وإهانة والدتهن من دون سبب يذكر، وأشرن ان كل حرف نشرته الصحيفة على لسانهن صحيح مائة في المائة ونؤكده مرة ثانية امام المحكمة.. ثم تحدث محامي الزوج المتهم وطالب مشيرا ان النشر أضر بسمعة موكله مطالبا المحكمة بإزالة الضرر الذي لحق به بفرض العقوبة التي تراها المحكمة على المتهمين بجانب التعويض المالي جراء تسبب الصحيفة في إشانة سمعة موكله.
القضية الأطول
إستمرت الجلسات أكثر من ثلاث سنوات وبذلك تعد القضية الأطول في تاريخ القضاء السوداني.. والتأجيل كان بسبب تغيير القضاء والذين بلغ عددهم أكثر من خمسة قضاة تعاقبوا على القضية، ونفس الحال إنطبق على محامي الشاكي حيث كان المحامين يعتذرون عن الإستمرار في القضية عند مشاهدتهم زوجة وبنات المدعي في قفص الإتهام حيث شهدت القضية أربعة محامين، ولعلمهم ان القضية خاسرة ولذلك نصحوا الشاكي التنازل عنها لكنه رفض.. كما حاول بعض القضاة الذين تعاقبوا على القضية إقناع المدعي وتنازله عن القضية موضحين انه من غير اللائق وقوف زوجته وبناته في قفص الإتهام بسببه إلا أنه رفض التنازل عن القضية.. ولإمتداد تلك القضية فقد كانت إحدى بنات الشاكي عند الجلسات الأولى فتاة صغيرة غير متزوجة وأثناء الجلسات تزوجت ووضعت طفلا كانت تحضره معها رضيعا أيام الجلسات الأخيرة للقضية.. ولم يتغيب أيا من المتهمين شخصي ومدير التحرير وزوجة وبنات الشاكي عن أي جلسة.. وكنت بعد أي جلسة أقوم بنشر تلخيصا لها في صحيفة (أخبار الحوادث) وبذلك إكتسبت بعدا آخر وتحولت لقضية رأي عام وتناولتها صفحات الجريمة ببعض الصحف السياسية والرياضية التي كانت تصدر وقتذاك في الخرطوم.

شهادة الزور
من الأشياء الغريبة والخارقة التي صاحبت تلك القضية ما حدث لإبن الشاكي وهو صبي لم يتعد عمره العشرين سنة.. ففي إحدى الجلسات قدم المحامي إبن المدعي ــ الشاكي ــ كشاهد إتهام، وأذكر رغم مرور عشرات الأعوام أسئلة المحامي له وإجابات الإبن عليها:
*المحامي: هل هذا الرجل والدك؟
ــ الإبن: نعم.
*المحامي: هل تعرف النساء الموجودات بقاعة المحكمة داخل قفص الإتهام؟
ــ الإبن: نعم، والدتي وشقيقاتي الخمس.
*المحامي: أنظر للرجلين داخل قفص الإتهام، هل تعرفهما؟
ــ لا، لا أعرفهما.
*المحامي: الم تقابلهما من قبل؟
ــ الإبن: لا.
*المحامي: هل شاهدت والدك يقوم بضرب والدتك واخواتك؟
ــ الإبن: لا، لم يكن يضربهن إطلاقا.
*المحامي: سالتك هل شاهدت والدك يقوم بضرب والدتك واخواتك؟
ــ الإبن: لا.
*المحامي: هل يمكنك ان تشهد بذلك امام المحكمة؟
ــ أجل.

وقبل ان ينتهي المحامي من أسئلة الشاهد وقفت والدته غاضبة وهي تصيح بأعلى صوتها ترتجف اوصالها من الغضب:” تشهد على والدتك بالزور والكذب.. انا ما عافية منك لا دنيا ولا آخرة”.. بعدها ساد الصمت المطبق الحضور داخل قاعة المحكمة، ثم تعالت أصوات بعض الحضور:”لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم”.. مستنكرين شهادة الإبن الكاذبة وبالطبع لم يكذبوا الام.. وعلى الفور رفع القاضي الجلسة لتعاود الإنعقاد في اليوم التالي مباشرة.

عقاب رباني
وكانت المفاجأة صبيحة يوم الجلسة إذ حضر الإبن الذي شهد بالزور ضد والدته وعينه اليسرى مغطاة بضمادة طبية، فسألته قبل بداية الجلسة: ماذا أصاب عينك؟.. فقال أمس بعد إنتهاء الجلسة توجهت مع والدي لمنزله وبينما كنت أسير داخل المنزل تعثرت قدماي وسقطت على وجهي في عود ــ وتد ــ كان مغروسا في الأرض واصابني في عينى إصابة بالغة وقال لي الطبيب ان العود تسبب في فقأ عيني ولن أرى بها مرة ثانية.. يا سبحان الله إنها لعنة وعقوبة ربانية سريعة حلت بذلك الإبن شاهد الزور وعلى من، على والدته، فالله عاقبه سريعا ليكون عظة وعبرة لكل من يشهد بالزور.
تنازل الشاكي
بعد حادثة الإبن قالت لي والدته، ان والده ــ زوجها ــ أغراه بالقروش ليدلي بشهادته الكاذبة ضدي فنال ما يستحقه من عقاب في الدنيا قبل الآخرة.. بعدها لم تستمر القضية سوى جلسة واحدة فقط، حيث ان الشاكي (الأب الشرس) يبدو انه تخوف ان ما حدث لإبنه يمكن ان يحدث له لانه كذب في أقواله امام المحكمة ولم يقل الحقيقة، بجانب تدخل محاميه وإخباره ان القضية لا تسير في صالحه ونصحه بالتنازل عن القضية، ففعل.. وبذلك أغلق القاضي ملف اغرب واطول قضية شهدتها المحاكم السودانية.