هل (ستنفض) أبوظبي يدها من مليشيا الدعم السريع ؟
- صناع القرار الاستراتيجي في الامارات : الدعم السريع الآن أصبح ورقة خاسرة ولا بد من سيناريوهات بديلة
- الإمارات لها مصالح استراتيجية في القرن الافريقي معبرها السودان يصعب التخلي عنها
- حرب السودان كلفت الإمارات (أثمان باهظة) ولم تحقق أهداف مسارها الاستراتيجي
تقرير – دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
تزايدت مؤخرا الضغوط الإعلامية والدبلوماسية على دولة الإمارات العربية المتحدة لإيقاف دعمها لقوات الدعم السريع التي تمردت على الحكومة الشرعية بالسودان والتي بدورها عبر طرقها الدبلوماسية قد قدمت بعض الأدلة والقرائن الظرفية الدالة على ذلك الدعم الذي تقدمه وبلا انقطاع أبوظبي للمليشيا المتمردة خلال الحرب الماثلة منذ 15 أبريل2023م والتي خلفت مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين علاوة على حركة نزوح إلى الولايات والمناطق الآمنة وحركة لجوء وهجرة إلى بعض دول الجوار السوداني (مصر ليبيا تشاد جنوب السودان اثيوبيا افريقيا الوسطي ارتر يا ) بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية وقطر وسلطنة عمان والبحرين كما شملت حركة الهجرة دول جوار الجوار السوداني (يوغندا كينيا الكميرون النيجر نيجريا وغيرها).
أحداث الفاشر واستمرار الدعم:

وبدأ من الواضح أن الدعم الإماراتي لم يزل مستمرا للمليشيا المتمردة حيث أشارت تقارير صحفية إلى أن أحداث الفاشر التي أدت لانسحاب الجيش السوداني ودخول المليشيا إلى المدينة والتي تمت استباحتها بشكل لفت أنظار العالم أجمع إلى الفظائع والجرائم المخالفة للقانون الدولي الإنساني والمبادئ العامة لحقوق الإنسان لولا استمرار الدعم الإمارات ودولة ليبيا (الجنرال المتقاعد خليفة حفتر)لما حدث ما حدث وخلف ما خلف من تداعيات أثارت العالم وجعلته يندد بتلك الوحشية والفظاعة التي تعامل بها المتمردون مع المواطنين المدنيين العزل الذين كانوا محاصرين بالمدينة وقد بدأ واضحا أن ما ترتكبه المليشيا المتمردة يدخل في توصيف القانون الجنائي الدولي بجريمة الإبادة الجماعية والتي استهدفت اثنيات معينة تعرف في المصطلحات الشعبية المستخدمة بإقليم دارفور بمصطلح (الزرقة) والذي له مغابن تاريخية مع المجموعات العربية التي تتشكل من بعضها قوات الدعم السريع علاوة على المجموعات المستنفرة من ما يعرف ب(عرب الشتات)الذين تم إبعادهم من دول النيجر والكميرون ومالي وبوركينا فاسو الذين تعتبرهم المجتمعات المحلية في تلك الدول بأنهم وافدين غرباء انفئوا على ذاتهم وحملوا السلاح على مجتمعات تلك الدول.
تزايد الضغوط على أبوظبي:

وبعد أحداث الفاشر وما خلفت من تداعيات تزايدت بشكل لافت الضغوط الإعلامية والدبلوماسية والمظاهرات التي انتظمت بعض الدول الأوروبية ولقد ظل مندوب السودان الدائم السفير الحارث إدريس الحارث طوال فترة الحرب الماثلة يمد مجلس الأمن الدولي وكل المنظمات الدولية بما تقوم به دولة الإمارات العربية المتحدة معززا تنويراته وخطاباته بالأدلة والشواهد والبينات والقرائن التي تؤكد تورط أبوظبي في دعمها للمليشيا المتمردة في حربها هذه وقد انتظمت حملات عالمية خاصة في الدول الأوروبية تنادي بمقاطعة الإمارات وتندد بدعمها المستمر لمليشيا الدعم السريع.
وكان السفير الحارث إدريس الحارث مندوب السودان بالأمم المتحدة قد قدم خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة ما يؤكد ضلوع دولة الإمارات العربية المتحدة في الحرب الماثلة والتي ليست بحرب أهلية إنما عدوانا تشنه أبوظبي على السودان عبر وكيلتها قوات الدعم السريع المتمردة و الخارجة على القانون حيث قدم عدد من البينات وأدلة الإثبات والقرائن والشواهد الممثلة في طائرات ومعدات وعربات وأسلحة وذخائر ومسيرات قد أكدت بها الإمارات مؤخرا المليشيا والتي استخدمتها بعد دخولها الفاشر ما بين يومي 26و28 اكتوبر الماضي وبرغم ذلك أصر مندوب الإمارات الدائم في الأمم المتحدة السفير محمد ابوشهاب قد كرر نفي أبوظبي دعم قوات الدعم السريع مضيفا أننا في دولة الإمارات العربية المتحدة لأنهم ولانقدم أي دعم للدعم السريع أو لأي أطراف محاربة أخري بل إننا جزء من المبادرة الرباعية التي تهدف لإقرار وقف لإطلاق النار وخدمة لمدة ثلاثة أشهر بعدها يتم الحوار بين السودانيين للدخول في فترة انتقال مدني تمهد الطريق إلى إقامة حكومة مدنية.
السؤال المهم:
الآن وبعد كل الضغوط الدبلوماسية الإعلامية والشعبية هل ستكف دولة الإمارات العربية المتحدة من دعمها اللامتناهي لاستمرارالحرب الماثلة الآن بالسودان بواسطة وكيلها قوات الدعم السريع وفقا لتسريبات مستشار الرئيس الاماراتي (محمد بن زايد) ووزير الدولة للشئون الخارجية الأسبق أنور قرقاش والذي قال(لقد أخطأنا جميعا خطايا فادحا حين أطاح الجنراﻻن (في إشارة للبرهان ولحميدتي) اللذان يخوطان الحرب الأهلية الآن بالحكومة المدنية وقد أدان الفظائع التي ارتكبت في مدينة الفاشر كما أدان كل الانتهاكات التي حدثت في مدن ومناطق أخرى خلال هذه الحرب وقد فسرت تقارير صحفية وفقا لبعض المصادر وثيقة الصلة هذه التصريحات لمستشار الرئيس الإماراتي للشئون الدبلوماسية استجابة للضغوط التي ظلت تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية ولكن بشكل خجول على أبوظبي لافتة إلى أن الحكومة الأمريكية منذ نهاية ولاية الرئيس الأمريكي السابق جو باديدن في ديسمبر من العام الماضي قد قالت أنها شكلت لجنة للتحقيق من ضلوع الإمارات في دعم قوات الدعم السريع حيث ناشدت أبوظبي بالكف عن ذلك الدعم حيث قال جو بايدن إن الإمارات تمثل( الحليف الدفاعي الرئيسى لواشنطن بالمنطقة) ولم تزل الولايات المتحدة الأمريكية وفي عهد الرئيس الحالي ترامب متمسكة بتحفظاتها على ما تقوم به أبوظبي خاصة وأن السودان عبر المندوبين الداعمة له بمجلس الأمن الدولي قد أثبت الدعم الذي تقدمه الإمارات للدعم السريع من إسقاط طائرات في مطار نيالا عليها ضباط إماراتيين لقوا حتفهم في الغارات التي يشنها الجيش السوداني على اماكن تموضع المليشيا وتجدر الإشارة إلى أن الإمارات كانت العام الماضي ومن مطار نيالا تقوم باجلاء ضباطها المشاركين في العمليات العسكرية لصالح المتمردين بل تم في العام 2024م نقل بعض الضباط الذين لقوا حتفهم.
الإمارات تراجع مواقفها سرا:
تواترت بعض الأنباء غير المؤكدة التي تشير إلى أن أبوظبي وعبر مؤسساتها المعنية بالتخطيط الاستراتيجي والدراسات الاستراتيجية اخذت تراجع في استراتيجيتها في السودان خاصة في جزئية دعم قوات الدعم السريع وقد توصلت تلك الدراسات التي اتخذت طابعا سريا إلى مجموعة توصيات أهمها:
-قوات الدعم السريع فشلت في الاستيلاء على السلطة في السودان منذ اليوم الأول للحرب في 15 أبريل2023م برغم استيلائها على العديد من المناطق بما فيها العاصمة السودانية الخرطوم وولايات الجزيرة وبعض أجزاء من ولايات سنار والنيل الأبيض وشمال كردفان والتي استردها الجيش جميعا عدا بارا والتي أعاد الدعم السريع تموضعه فيها الاسبوع الماضي.
-عجزت قوات الدعم السريع من إدارة الولايات الواقعة تحت سيطرتها المتمثلة في أجزاء من ولاية غرب كردفان ووسط دارفور وجنوب دارفور وغرب دارفور وشرق دارفور حيث لم تقدم الإدارات المدنية التي شكلتها قوات الدعم السريع من إدارة شئون تلك المناطق وتقديم الخدمات لها لضعف بنية وهياكل الإدارات المدنية والموارد التي توفر لها لا تعدو أن تكون أموال تسيير يتقاسمها الوافدون من قادة الدعم السريع وقيادات الإدارات المدنية.
-تضعضع عمليات استخراج الموارد خاصة الذهب مما قلل من عائد صادراته التي تصل لدولة الإمارات باعتبارها أحدي مواعين هذا الدولارات العائد (طبعا كان يتم تهريبه للامارات قبل الحرب للامارات بعلم الحكومة السودانية أو بالتحري تجد عمليات التهريب الحماية من نائب رئيس المجلس السيادي حميدتي) وطبعا أثناء الحرب قد قل الذهب المهرب.
-فشل الحكومة الموازية ومجلسها الرئاسي من إيجاد اعتراف إقليمي أو دولي لها وتفتقد مقومات إقامة دولة منفصلة أو حتى في مناطق سيطرتها عجزت عن إدارة مناطق سيطرتها فحتي الان الحكومة المعلنة لم تباشر حتى مهام ايجاد مقار لها.
-ارتكبت قيادة الدعم السريع خاصة عبدالرحيم في التعامل مع حلفائها من القبائل والمجموعات المساندة لها بل دخل في خلافات أدت إلى اغتيال بعض القيادة الاهلية مما أفقدها الحواضن الاجتماعية الداعمة لها علاوة على إقصاء بعض القيادات العسكرية (عثمان عمليات وعصام فضيل) وعودة (كيكل ومجموعته للقوات المسلحة)علاوة على فقدان قطاعات عريضة من الشعب السوداني والتي وجدت نفسها في مواجهة الدعم السريع وتجاوزات قواته التي مارست القتل والسحل والنهب والاغتصاب وارتكبت انتهاكات بشعة ندد بها العالم كله عبر المنصات الإعلامية والحقوقية.
استراتيجية جديدة:

وانتهت الدراسات إلى ضرورة تصميم مسارات استراتيجية جديدة للاستراتيجية الإماراتية في السودان إذ أن المسار الاستراتيجي الذي اختطف الإمارات (الحرب ودعم الدعم السريع) كلفها اثمان باهظة وكان ضرره أكثر من نفعه وذلك على النحو التالي:
-ايقاف الحرب بأي شكل من الأشكال وذلك من خلال سيناريوهات الحوار المباشر مع الحكومة السودانية بشكلها الراهن وحتى لو انتهت مخرجات الحوار إلى ابعاد الدعم السريع وداعميه من أي مشهد سياسي أو عسكري قادم لأنه مرفوض من أصحاب المصلحة وكذلك سيناريو تشكيل حكومة ما بعد الحرب لا تقصي أحدا حتى ولو شملت الحكومة بعض حمائم الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني (خاصة مجموعة بروفسير إبراهيم غندور وبروفسير إبراهيم أحمد عمر) على أن تعود مجموعة الدكتور عبدالله آدم حمدوك النسخة المحسنة (مجموعة تقدم ) أو سيناريو حكومة انتقالية برأس دولة من القيادات العسكرية خلاف مجموعة البرهان وكباشي والعطاء وجابر أو بالتحري (انقلاب على قيادة الجيش الحالية) والاتيان بحكومة كفاءات وطنية عسكرية شرفية (تجربة سوارالذهب) ومدنية تنفيذية (تجربة الجزولي دفع الله وسرالختم الخليفة) لمدة عامين وإجراء انتخابات عامة بإشراف إقليمي ودولي بعد عامين هي مدة الحكومة الانتقالية.
-كل هذه التدابير تتم برعاية المبادرة الرباعية والتي خلالها يكون قد تم الإبقاء على الشروط الأمريكية والإماراتية بشكل أشبه بالوصاية ومراعاة التحفظات المصرية والسعودية على مجريات الأمور (مسار الحرب) خاصة المواقف الإماراتية على أن تقوم المبادرة الرباعية بمساع إقليمية ودولية للإسهام في تطبيع الحياة المدنية بالسودان وإعادة بناء ما دمرته الحرب وإعادة إيواء النازحين واللاجئين والمهاجرين وإعادة إدماج قوات الدعم السريع وقوات حركات الكفاح المسلح وحركات عبدالواحد وعبدالعزيز الحلو.
-وقد بررت الدراسات أن تطبيق أحد هذه السيناريوهات يمثل أفضل الخيارات لإعادة تموضع دولة الإمارات العربية بمسار استراتيجي جديد يضمن لها تحقيق استراتيجيتها في السودان وتمددها في حالة نجاح تخقيق السلام إلى القرن الافريقي والذي يمثل السودان أحد المفاتيح المهمة ليس للقرن الافريقي فحسب بل إلى كل دول منظومة افريقيا جنوب الصحراء والتي تربطه بها دول جوار ودول جوار الجوار السوداني.