آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (28) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ل)

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*فأول ما قمت به هو إخفاء الكتاب تحت مرتبة الفراش، وقطعت فقط الصفحة الأولى منه، ثم بدأت أبقي شيئاً من لبابة الخبز؛ لأشكل منها قطع الشطرنج، وبالطبع خرج شكلها غير مماثل للأصل، الملك والوزير … إلخ، ولكن بعد مشقة استطعت في الأخير أن أخوض تجربة رصها بحسب الترتيب في الصور على مربعات الغطاء. لكن عندما حاولت أن أعيد دور كامل فشلت تماماً بالطبع في بداية الأمر بعرائس الخبز هذه التي خلطت نصفها ببعض الغبار ليكون لونها داكناً فأميزها. في الأيام الأولى شعرت ببلبلة شديدة، وكنت أعيد الدور خمس أو عشر أو عشرين مرة من البداية. ولكن من على هذه الأرض كان يملك وقتاً ضائعاً معدماً مثلي، والعدم يستعبدني؟ من لديه كل هذه اللهفة والصبر؟.

*بعد مرور ستة أيام فقط نجحت في أن ألعب الدور بدون هفوة حتى النهاية، وبعد ثمانية أيام أخرى لم أعد حتى في حاجة لأضع الأشكال المصنوعة على الغطاء لأتذكر المواضع في الكتاب، ثم بعد ثمانية أيام أخرى استغنيت عن غطاء السرير ذي المربعات أيضاً؛ فقد تحولت رموز.

*الكتاب المجردة تلقائياً إلى مراكز مرئية بصرياً في ذهني تحولت بشكل كامل: لقد ترسخت رقعة الشطرنج وقطعها بداخلي، وأصبحت بمجرد النظر إلى الرموز أعرف الترتيبات كالعازف المتمرس الذي يستطيع بنظرة إلى النوتة الموسيقية أن يسمع كل الأصوات مجتمعة وهي تتناغم معاً، وبعد أسبوعين أصبح بإمكاني أن أعيد أي دور من الكتاب بدون أي جهد عن ظهر قلب.

*الآن بدأت أدرك أي نعمة تحققت لي بسرقتي الوقحة.

*فجأة أصبح لي عمل أقوم به – قد تراه عملاً فارغاً، خالياً من المعنى، لكنه عمل يحطم العدم من حولي، فأدوار الشطرنج المائة والخمسون كانت سلاح ممتاز لمكافحة رتابة المكان والزمان الخانقة. وحتى لا تفتر نشوتي بعملي الجديد قررت تقسيم كل يوم دوران في الصباح ودوران عصراً ثم إعادة سريعة في المساء. هكذا ملأت يومي؛ حتى لا يمتد بلا أي شكل أو ملامح، كما أصبح لي عمل لا يرهقني؛ لأن لعبة الشطرنج بها ميزة رائعة أنها تستحوذ على الطاقة الذهنية وتوجهها على رقعة محددة المساحة، فهكذا حتى مع التركيز الشديد لا تستنفد القدرات العقلية بل يزداد نشاطها وقدرتها على التركيز (يتبع).

نهاية المداد:

عَلَى قَدْرِ فَضْلِ المَرْءِ تَأَتِي خُطُوبُهُ

           ويُعْـرَفُ عِنْـدَ الصَّبْـرِ فِيمَـا يُصِيبُـهُ

ومَـنْ قَـلَّ فِيمَـا يَتَّقِيــهِ اصْطِبَــارُهُ

          فَقَــدْ قَــلَّ فِيمَــا يَرْتَجِيــهِ نَصِيبُـهُ

 ( ابن ظَفَر الصّقلي)