العطارة السودانية والمصرية…اختلاط رائحة التوابل بعبق التاريخ
ليست تجارة بل خطاب ثقافي مكتوب بالأعشاب
إعداد – نعمات ابوزيد:
المسافة بين العطارة السودانية والعطارة المصرية لا تُقاس بتشابه الروائح ولا بتداخل المكونات، بل تُفهم من زاوية الوعي الذي صاغ كل تجربة، ومن الفلسفة التي تقف خلف كل خلطة ،العطارة هنا ليست تجارة، بل خطاب ثقافي مكتوب بالأعشاب والبخور، يحمل ملامح المرأة، وذاكرة البيت، وطريقة المجتمع في فهم الجمال والشفاء والطقوس
العطارة السودانية تنبع من العمق؛ من علاقة صادقة بين الإنسان والأرض، حيث الخلطة تُورَّث، وتُحضَّر بتأنٍ، وتُستخدم بنيّة قبل أن تُستخدم باليد.
أما العطارة المصرية، فهي ابنة الحِرفة؛ تعرف كيف تُوازن، وكيف تُقدّم الموروث في صورة مدروسة، وتُخضع الرائحة لميزان التجربة والتسويق والذوق العام.
وهنا، لا يكون السؤال: أيهما أقوى؟
بل: أيهما يشبهك أكثر؟
عطارة تحفظ السرّ في جذوره، أم عطارة تجيد صياغته بلغة العصر؟
تلك مقارنة وعي، لا مفاضلة، ورؤية تتجاوز الرائحة إلى المعنى سياحة تجمع مابين العطارة السودانية والمصرية ومقارنة بينهما اجريناها فالي مضابطها:
أعشاب وتوابل:
عرف السودان العطارة منذ سنين عديدة، عندما كانت ترد إليه العطور والأعشاب والتوابل عبر ميناء سواكن الذي كان يستقبل سفناً من مختلف دول العالم، وبدأت كتجارة معروفة منذ عام 1800م، إذ كان للمصريين دور كبير في ذلك، ويعتبر العطار عبدالعزيز سيد محمد والعطار الحمزاوي من رواد هذه التجارة وكلاهما من مصر، وقد ورث أبناؤهم وأحفادهم واسلافهم تجارة العطارة في السودان•
ونشطت تجارة العطارة في آخر فترة المهدية وبعد حملة عبدالرحمن النجومي لفتح مصر حيث أسر بعض السودانيين الذين شاركوا في الحملة وبقوا في مصر، فعرفوا العطارة وتعلموا فنونها وأسرارها وعندما عادوا إلى الوطن عملوا بها وأشهرهم حمزة وعثمان ‘الرباطاب’ وقام أولاد حمزة وعثمان بفتح متجرين متجاورين بسوق أمدرمان وكانا متشابهين في كل شيء فأطلق عليهما الناس ‘التيمان’ أي التوأمان، ولازالا موجودين حتى يومنا هذا بنفس بنائهما القديم واسمهما.
بخور التيمان:
من أشهر أنواع البخور في السودان لما عرف به من ميزات منها، كما يزعمون، فك السحر وطرد الارواح الشريرة، وكان يعرف بـ(الكناسة) وهو ما يتم كنسه من المحل بقصد نظافته، وكانت هذه الكناسة تحرق في آخر اليوم للتخلص منها، إلا أنه تم اكتشاف رائحة خليط الاعشاب العطرية النفاذة فأصبح مالكا (التيمان) يجمعانها ويحتفظان بها ويضيفان اليها نوعاً من الأعشاب إلى أن توصلا إلى هذه الوصفة والتركيبة العجيبة التي تسمى (بخور التيمان) والذي لا يخلو بيت في السودان منه وقد أقبل الناس على شراء هذا البخور لأنه في نظرهم يكفّ العين ويستخدمونه في الأعراس والمناسبات المختلفة.
وصفات علاجية:
ما زال العطار مصدر شفاء لكثير من الناس، فقبل انتشار الدواء الحديث كان الناس يعتمدون على العطار للعلاج من الأمراض المختلفة•• يأخذون منه الوصفات العلاجية التي تعلمها عن طريق الوراثة الطبيعية، وتتكون من الأعشاب ومنها المحريب والحرجل وهما من الأعشاب البرية التي تنبت بوفرة في منطقة السافنا ومنها أيضاً السنمكة وقد تحولت من عشب بري إلى محصول نقدي بعد أن وجدت اهتماماً كبيراً من شركات الدواء العالمية، أما الكركدي وهو معروف عالمياً ينمو في كل السودان وخاصة في منطقة كردفان ويستخدم في صناعة كثير من الأدوية بجانب مشروبه المنعش•• ومن النباتات المحلية التي تدخل في وصفات الدواء لدى العطارين نبات القرض وهو علاج ناجع لأمراض الصدر والشعب الهوائية والأورام ويشرب منقوعه او يستخدم كبخور أو لبخة.
ومن الأعشاب المستخدمة لدى العطارين أنواع عديدة تستورد من مصر وآسيا مثل الكمون (الحبة السوداء) والفاكوك والفاسوق والحذا والشيح، وينافسهم في تسويقها النساء في السودان.
زيوت عشبية:
كانت العطارة قديماً تقتصر على بيع الاعشاب الطبيعية وبعض الزيوت العشبية بالإضافة إلى عسل النحل وبقية النباتات التي تنبت في السودان مثل الحلبة والقرض والسنمكة•• إلخ ولكن في الآونة الأخيرة تطورت الوصفات العلاجية وأصبحت الجرعات مصنعة وجاهزة للاستعمال إذ يتم تركيبها داخل المحل وتعبئتها في عبوات زجاجية نظيفة عليها ملصقات تحمل اسم الدواء.
ويوجد الآن بمحلات العطارة قسم خاص بمستلزمات العرس السوداني من الاشياء التي تخص العروس مثل الجدلة وهي من الحرير الطبيعي أحمر اللون، لا يكتمل العرس بدونها ويعرض المحل بجوارها كل مستلزمات (الجرتق) وهو من الطقوس الرئيسية في مراسم الزواج.
شيخ الاسواق:
عند مدخل سوق امدرمان الكبير او شيخ الأسواق كما يحلو للناس تسميته تجد العديد من محلات العطارة والعطارين الذين امتهنوا المهنة بالتوارث من الآباء والأجداد
وقال محمد عمر عطار بسوق أمدرمان في حديث ل(أصداء سودانية ) أثر دخول العطارة بشكل ايجابي على مكافحة الأمراض، فالعطار كان مثل الصيدلي يذهب إليه الناس طلباً للعلاج وانتشرت وصفاته بينهم وقد ساهمت الابحاث العلمية في التأكيد على فائدة الاعشاب في علاج كثير من الأمراض المعروفة بالاضافة إلى اكتشاف انواع جديدة منها ومعرفة خصائصها واضاف قائلا اعتقاد الكثيرين في علاج الاعشاب جعل منها مهنة رائجة يقصدها الكثيرون وعندما يأتي شخص للعلاج نسأله عن طبيعة مرضهم وعن البيئة التي يقيمون فيها وتاريخ المرض وتطوره، حتى نتمكن من تشخيص المرض ثم نبدأ في تجهيز الوصفات العلاجية واعطاء بعض الارشادات والتوجيهات للمريض لاتباعها للمساعدة في الشفاء ونحن نستخدم الاعشاب الطبيعية والفواكه والخضروات وجذور وأوراق الاشجار.
سوق العطارين:

سمي سوق العطارين بهذا الاسم نسبة إلى مهنة العطارة التي انتشرت فيه، والتي كان أصحابها يستوردون التوابل على اختلاف أنواعها في ذلك الحين من الهند والصين ومن بلاد فارس ونجد العطارات من اكثر المحلات انتشارا في مصر والملفت للنظر الترتيب وتنوع المنتجات من زيوت واعشاب لتختلط رائحة التوابل بعبق التاريخ وللوقوف علي هذه التجربة التقينا : احمد الشوادفى السيد ،صاحب محل عطارة الشوادفى بالقاهرة واجرينا معه الحوار التالي فإلى مضابطه:
وقال في بداية حديثه مهنة العطارة مهنة قديمة جدا تدربت عليها عند أصحاب المحلات القديمة وحيث اننى من ريف مصر كانت تتوفر لدى معلومات كبيرة عنها وخاصة قسم البقوليات بها و اجدادى فى الأصل مزارعين لا يعملون في هذا المجال و العطارة او العطار لقب يطلق على بائع التوابل وهي ذات الرائحة العطرية ولذلك اشتقت كلمة عطار منها.
ومهنة العطارة معروفة منذ آلاف السنين وخاصة لدى المصريين القدماء و كانوا يستخدمون الأعشاب فى العلاج قديما ولكن مع تطور الطب والمستشفيات أدى ذلك إلى تراجع مهنة العطار فى العلاج تنقسم العطارة إلى أقسام
منها جزء خاص بالتوابل ومنها جزء خاص بالبقوليات
وجزء خاص بالزيوت
وجزء خاص بالاعشاب العلاجية.
المرمرية ورجل الاسد:
والأعشاب منها ما نقوم باستيراده من الهند والمغرب وسوريا مثل المرمرية ورجل الاسد وبذور الشيا وحب الرشاد ومنها ما نقوم بزراعتها فى مصر مثل البابونج والكراوية والريحان ومن أشهر محافظات مصر فى الزراعة محافظة المنيا واسيوط والفيوم واستخدمت مهنة العطارة قديما فى الطقوس الدينية وكيفية معالجة السحر وظلت إلى وقت قريب محط أنظار الكثير من الطبقة المتوسطة وذلك لحاجة الأشخاص إلى من يعطيهم بعض الأمل فى العلاج وكان بعض العطارين يستغلون حاجة وجهل بعض الأشخاص ويطلبون مبالغ مالية كبيرة مقابل بعض العلاج من الأعشاب التي تستخدم كعلاج على سبيل المثال
شيح البابونج
القسط الهندي
المرمرية
عشبة كف مريم
الناردين
ومن أجمل اللحظات داخل محل العطارة عندما اقوم بطحن التوابل وذلك للإحساس بالمطبخ المصرى واكلاته المميزة كما توجد فى العطارة اوقات موسمية منها على سبيل المثال الاستعداد لشهر رمضان حيث نقوم بتركيب بعض الأنوار المبهجة ونقوم ببيع جميع أنواع التمور والبلح الاسوانى والياميش والمكسرات ويقوم أصحاب الخير بشراء كرتونة رمضان وتوزيعها على فقراء المسلمين.