
الكلب ينبح… والجِمل ماشي
مرفأ الكلمات
عثمان عولي
*في السياسة، كما في الحياة، ليست كل الأصوات العالية دليلاً على الحقيقة، ولا كل ضجيجٍ قادر على إيقاف قافلة تمضي بثبات. فالعلاقات السودانية– المصرية اليوم تسير في اتجاهٍ واضح نحو التطور والتفاهم، مدفوعة بإرادة شعبين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك، ومسنودة بقيادتين تعيان حساسية المرحلة ودقة التوازنات.
*ما يُثار بين الحين والآخر من حملات تشكيك وضخّ للشائعات حول هذه العلاقات ليس جديداً، بل هو امتداد لخطاب قديم اعتاش على الفوضى، واستثمر في التوتر، ووجد في ضرب الثقة بين الخرطوم والقاهرة مدخلاً لخدمة أجندات لا علاقة لها بمصالح الشعوب. المفارقة أن بعض هذه الأصوات هي ذاتها التي، حين كانت في موقع السلطة، حرّضت الشباب على قطع الطرق أمام الشاحنات المصرية، وضيّقت على حركة التجارة، وروّجت أكاذيب فجّة عن منتجات زراعية مصرية، من (برتقال محقون) إلى (فراولة قاتلة)، دون سند علمي أو مسؤولية أخلاقية.
*ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى اتهامات باطلة حول علاقة الشركات المصرية بالحكومة المصرية في دعم النظام السابق سياسياً واقتصادياً، في محاولة مكشوفة لخلط الأوراق وتشويه الوقائع. اليوم، وبعد أن انكشفت الحقائق، عادت ذات المعارضة لتلعب الدور نفسه، ولكن بأدوات أكثر خطورة، إذ تحولت من معارضة سياسية إلى مظلة خطابية تبرر التخريب، وتغض الطرف عن استهداف البنى التحتية، بل وتوفّر غطاءً سياسياً لمليشيات تمارس القتل والنهب وانتهاك الأعراض، ثم تُسمّى زوراً وبهتاناً قوى دعم.
*في هذا السياق، جاء طرح الكاتبة والصحفية المصرية الدكتورة أماني الطويل ليعيد الأمور إلى نصابها مقالها الأول، وما تبعه من توضيح شجاع ومسؤول، أربك حسابات من بنوا خطابهم على الشائعات. فقد أوضحت بجلاء أن ما روّجت له المعارضة من (سخافات) – بحسب توصيفها – لا يستند إلى واقع، بل إلى أجندة هدم لا علاقة لها بالبناء أو الإصلاح.
*الأهم من ذلك، أن أماني الطويل، بصفتها خبيرة استراتيجية في العلاقات السودانية – المصرية، قدّمت نموذجاً لما يجب أن يكون عليه الخطاب المسؤول.. أكدت أن السودان خط أحمر، وأن هناك تفاهماً عميقاً بين الحكومة المصرية وكلٍّ من الحكومة السودانية والسعودية، لتوحيد الإرادة من أجل مساعدة السودان على الخروج من أزمته، في مواجهة تدخلات وأيادٍ أجنبية تسعى لإعادة إنتاج مشاريع استعمارية بثوب جديد في المنطقة العربية والأفريقية.
*وفي حديثها الأخير، طمأنت السودانيين في مصر، ناقلةً تأكيدات مباشرة من وزارة الداخلية المصرية بأن التسجيل لدى مفوضية شؤون اللاجئين معترف به، حتى بورقة موعد، وأن الإجراءات الأمنية الأخيرة لا تستهدف السودانيين كجالية، ولا تعبّر عن تغيير في الموقف المصري الداعم للسودان وشعبه. كما كشفت بوضوح أن من طالتهم الإجراءات هم في الأساس من لا يحملون أي أوراق ثبوتية، أو من ارتبطت أسماؤهم بملفات جنائية وأمنية، وهو أمر لا تقبله أي دولة تحترم أمنها وسيادتها.
*هذا الطرح المتزن يعيد التأكيد على حقيقة ثابتة: العلاقات بين مصر والسودان أعمق من أن تهزّها حملات استقطاب عابرة أو تراشق إعلامي منفلت.. لكنها، في الوقت ذاته، تحتاج إلى وعيٍ أكبر، وضبطٍ أدق للخطاب الإعلامي، وتحمّل للمسؤولية في إطلاق التصريحات، حتى لا تتحول الكلمة إلى معول هدم يضر بما تحقق من تقارب.
*الخلاصة بسيطة وواضحة: القافلة ماضية، ومن يراهن على العرقلة بالشائعة أو التحريض سيبقى خارج المسار.. ما تحتاجه المرحلة هو خطاب عقلاني، وإعلام مسؤول، وإرادة صادقة ترى في العلاقات السودانية–المصرية ركيزة استقرار، لا ساحة صراع. أما النباح… فلن يغيّر اتجاه العلاقات التاريخية الراسخة بين البلدين.