آخر الأخبار

اليوم الرابع على حافة الانفجار: حين تتحول الحرب من الصواريخ إلى صناعة الحقيقة

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

في يومها الرابع، تدخل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، حيث لم تعد المواجهة محصورة في الضربات العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى مستوى أعمق يتمثل في إعادة تعريف العدو، وتشكيل الوعي، وصناعة الرواية. هذا اليوم تحديدًا كشف أن الصراع لم يعد يُدار فقط في سماء القواعد العسكرية أو فوق البحار، بل في عقول الشعوب، وفي مكاتب الدبلوماسية، وفي وسائل الإعلام التي باتت ساحة قتال موازية لا تقل تأثيرًا عن الميدان.

التصعيد الأخير الذي طال منشآت أرامكو السعودية شكّل نقطة تحوّل نوعية في مسار الحرب. فبدل أن يُنظر إلى الهجوم بوصفه ضربة عسكرية تقليدية، تحوّل سريعًا إلى مادة اشتباك سياسي وإعلامي حاد. وكالة تسنيم نقلت عن مصدر عسكري إيراني اتهامًا مباشرًا لإسرائيل بتنفيذ الهجوم ضمن ما وصفه بعملية “علم زائف”، هدفها ـ وفق الرواية الإيرانية ـ صرف الأنظار عن الهجمات المتصاعدة التي تستهدف مواقع داخل إيران، وخلق ذريعة لتوسيع رقعة المواجهة وجرّ أطراف إقليمية جديدة إلى قلب الصراع.

هذه الرواية لا تأتي من فراغ، بل تنسجم مع استراتيجية إيرانية أوسع تحاول من خلالها طهران رسم خطوط واضحة بين خصومها المباشرين وبين الدول الإقليمية الأخرى. فالمصدر العسكري شدد على أن إيران لم تضع منشآت أرامكو ضمن أهدافها العسكرية، وأن بوصلتها ـ كما تعلن رسميًا ـ موجهة حصريًا نحو المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

في العمق، تحمل هذه الرسالة بعدًا سياسيًا بالغ الأهمية، إذ تسعى إيران إلى نفي مسؤوليتها عن تهديد أمن الطاقة الخليجي، وإلى تجنب فتح جبهة مباشرة مع دول قد تتحول، في حال التصعيد، من أطراف محايدة إلى خصوم فاعلين.

على المستوى الدبلوماسي، عززت وزارة الخارجية الإيرانية هذا الطرح، وذهبت أبعد من ذلك بتحذيرها من احتمال تنفيذ عمليات مشابهة ضد أهداف أخرى، مثل ميناء الفجيرة، في سياق ربط أمن الموانئ والممرات البحرية بحرب الروايات الدائرة. هذا التحذير يمكن قراءته بطريقتين: إما بوصفه محاولة استباقية لنزع المسؤولية عن إيران في حال تكررت الهجمات، أو رسالة مبطنة تؤكد أن مسرح العمليات قابل للتوسع وأن استقرار المنطقة بأكملها بات على المحك.

في المقابل، جاء الرد السعودي هادئًا في شكله، عميقًا في مضمونه. السعودية أعلنت تعزيز جاهزية دفاعها الجوي ورفع مستوى التأهب، في خطوة تعكس إدراكًا لحساسية المرحلة دون الانزلاق إلى خطاب تصعيدي أو تبنّي اتهامات مباشرة. هذا الموقف يعكس حسابات دقيقة، فالسعودية تدرك أن أي رد سياسي متسرع قد يغيّر موقعها من دولة تسعى لحماية أمنها إلى طرف مباشر في حرب إقليمية مفتوحة.

أما على المستوى الأوسع، فإن اليوم الرابع من الحرب يكشف بوضوح أن الصراع دخل مرحلة “اللا يقين الاستراتيجي”. فكل طرف يحاول إعادة تعريف ما يجري بما يخدم مصالحه: الولايات المتحدة تسعى لتأكيد صورة الردع وحماية حلفائها، إسرائيل تحاول توسيع هامش المناورة وخلط الأوراق الإقليمية، بينما تحاول إيران الظهور بمظهر الطرف المستهدف الذي يدافع عن نفسه ضمن حدود محسوبة.

وفي هذا المشهد المتشابك، تصبح الحقيقة نفسها ساحة معركة، وتتحول الاتهامات إلى أدوات استراتيجية لا تقل خطورة عن الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وفي اليوم الرابع للحرب، حمل القرار الأمريكي بدعوة مواطنيه إلى مغادرة أربع عشرة دولة في الشرق الأوسط دلالات تتجاوز البعد القنصلي والإجرائي، ليغدو رسالة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن. فهذه الخطوة، التي اتخذتها وزارة الخارجية الأمريكية في توقيت بالغ الحساسية، تعكس قناعة داخل دوائر صنع القرار في واشنطن بأن الصراع دخل مرحلة سيولة خطرة، تتراجع فيها حدود الجبهات التقليدية لصالح مشهد إقليمي مفتوح على احتمالات الانفجار المتزامن. وفي سياق اليوم الرابع، يبدو أن الولايات المتحدة لم تعد تراهن على احتواء التداعيات ضمن مسارح محددة، بل تستشرف اتساع دائرة الاستهداف لتشمل المصالح والرعايا الأجانب، وما قد يرافق ذلك من انهيار سريع في منظومات الأمن المحلي أو تعطّل مفاجئ لخطوط النقل والإجلاء. ومن ثم، فإن هذا التحرك الاستباقي لا يمكن فصله عن تقديرات أمريكية تشير إلى أن ما هو آتٍ قد يكون أشد قسوة واتساعًا، وأن نافذة الخروج الآمن قد تضيق على نحو سريع، الأمر الذي يمنح القرار بعدًا إنذاريًا يعكس حجم القلق الأمريكي من مسار الحرب في أيامها الأولى، وتحديدًا في يومها الرابع.

خلاصة اليوم الرابع أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار شامل لقدرة المنطقة على تفادي الانفجار الكبير. فاستهداف منشآت الطاقة، أو حتى الاتهام باستهدافها، يحمل تداعيات تتجاوز حدود الدول المتحاربة ليطال الاقتصاد العالمي وأمن الملاحة الدولية. وبين الصمت الحذر لبعض الأطراف، والتصعيد المحسوب لأطراف أخرى، يقف الإقليم كله أمام لحظة دقيقة: إما احتواء هذا الصراع قبل أن يتحول إلى حرب شاملة متعددة الجبهات، أو الاستمرار في لعبة النار، حيث قد تكفي رواية واحدة خاطئة، أو عملية “علم زائف” واحدة، لإشعال حريق لا يمكن إطفاؤه بسهولة.