آخر الأخبار

قمة العلمين.. (4) دول في مواجهة تحديات القرن الأفريقي

عمرو خان
*لم تأتِ القمة الرباعية التي تجمع مصر والسودان وإريتريا والصومال في مدينة العلمين في توقيت عادي، ولا تجتمع الدول الأربع لمجرد تبادل وجهات النظر حول أزمات بعيدة عن حدودها. فالمشهد الإقليمي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يتحرك بسرعة، وتتداخل فيه أزمات السودان وإثيوبيا والصومال، مع صراع أوسع حول المياه والموانئ والممرات البحرية والنفوذ السياسي والأمني.
*وتكتسب القمة أهميتها من أن الدول الأربع تقع على خط جغرافي واحد تقريبًا، يبدأ من حوض النيل ويمتد عبر السودان والبحر الأحمر إلى خليج عدن والقرن الأفريقي.. وفي قلب هذا المشهد تقف إثيوبيا باعتبارها فاعلًا لا يمكن تجاوز تأثيره؛ فهي دولة المنبع في أزمة مياه النيل، ودولة حبيسة تسعى إلى استعادة منفذ بحري، وفي الوقت نفسه تواجه أزمة داخلية متصاعدة يمكن أن تتحول إلى أزمة إقليمية أوسع.
*لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه قمة العلمين ليس فقط: ماذا يحدث في القرن الأفريقي؟ وإنما: كيف يمكن للدول الأربع أن تمنع تحول الأزمات المتزامنة إلى نظام إقليمي جديد قائم على الصراع؟.
مصر.. أمن النيل يبدأ من القرن الأفريقي:
*بالنسبة إلى مصر، لا يمكن فصل أمن القرن الأفريقي عن الأمن القومي المصري. فالنيل يمثل القضية الأكثر حساسية في العلاقة مع إثيوبيا، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول سد النهضة، الذي ترى القاهرة أن تشغيله وإدارته يجب أن يخضعا لقواعد القانون الدولي وعدم الإضرار والتنسيق المسبق
*وتؤكد القاهرة أن التعامل مع الموارد المائية العابرة للحدود يجب أن يقوم على التعاون والتشاور، وترفض الإجراءات الأحادية التي يمكن أن تؤثر في حقوق دولتي المصب.. ولذلك فإن وجود السودان إلى جانب مصر في القمة يمنح الموقف المصري بعدًا جغرافيًا وسياسيًا مهمًا، باعتبار أن البلدين يشتركان في حوض النيل ويتأثران مباشرة بسياسات إثيوبيا المائية.
*لكن الحساب المصري لا يتوقف عند النيل. فالقاهرة تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وتؤكد مع إريتريا أن أمن البحر الأحمر وحوكمته مسؤولية الدول المطلة عليه. ومن هنا تأتي أهمية بناء تنسيق مصري مع دول الساحل الغربي للبحر الأحمر والقرن الأفريقي، خصوصًا في ظل تصاعد المنافسة الدولية والإقليمية على الموانئ والممرات البحرية.
السودان.. بين النيل والحدود والحرب:
*السودان يدخل القمة بملف مختلف لكنه متصل بكل الملفات الأخرى. فالحرب السودانية لم تعد أزمة داخلية فقط، بل أصبحت جزءًا من شبكة إقليمية من التنافس والتحالفات.
*وتمثل إثيوبيا بالنسبة إلى السودان جارًا استراتيجيًا وشريكًا في حوض النيل، لكنها أيضًا طرف في ملفات حدودية وأمنية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها منطقة الفشقة.. كما أن الحرب السودانية أضافت بعدًا جديدًا للعلاقة، بعدما تبادل الطرفان اتهامات بشأن دعم جماعات مسلحة أو استخدام أراضي كل دولة في الصراع الداخلي للطرف الآخر.
*وفي مايو الماضي، اتهم الجيش السوداني إثيوبيا بالضلوع في هجمات بطائرات مسيرة انطلقت، وفق روايته، من الأراضي الإثيوبية، بينما نفت أديس أبابا الاتهامات.. ومع عودة القتال إلى شمال إثيوبيا، اتهمت القيادة العسكرية الإثيوبية بدورها السودان ومصر وإريتريا بدعم قوى معارضة، وهي اتهامات نفتها الأطراف المعنية.
وهنا تصبح مشاركة السودان في القمة مهمة للغاية؛ لأن استقرار الحدود السودانية- الإثيوبية لم يعد قضية ثنائية، بل أصبح جزءًا من أمن القرن الأفريقي كله.
إريتريا.. البحر الأحمر بوابة الأمن والصراع:
*أما إريتريا، فتدخل القمة وهي في قلب أحد أكثر الملفات سخونة: الصراع على البحر الأحمر، والعلاقة المتدهورة مع إثيوبيا.. كانت أسمرة وأديس أبابا قد انتقلتا خلال السنوات الأخيرة من التقارب إلى التوتر. وبعد أن قاتلت القوات الإريترية إلى جانب الحكومة الإثيوبية خلال حرب تيغراي السابقة، عادت العلاقات إلى التدهور مع تصاعد الخلاف حول مستقبل تيغراي، والأهم حول مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري.
*وفي الأول من أكتوبر 2026، قطعت إريتريا العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا بعد إغلاق أديس أبابا سفارتها في أسمرة وطرد دبلوماسيين إريتريين، في تطور يعكس مستوى غير مسبوق من التوتر بين البلدين.. ومن منظور إريتريا، فإن أي ترتيبات تسمح لإثيوبيا بالوصول إلى البحر الأحمر لا يمكن أن تكون منفصلة عن سيادة الدول الساحلية وأمنها. ولذلك تبدو أسمرة شريكًا طبيعيًا في أي نقاش حول حوكمة البحر الأحمر، لكنها في الوقت ذاته الأكثر حساسية تجاه التحركات الإثيوبية في هذا الملف.
الصومال.. معركة السيادة في مواجهة البحث الإثيوبي عن منفذ بحري:
*بالنسبة إلى الصومال، فإن القضية الإثيوبية تأخذ شكلًا مختلفًا. فمقديشو تنظر إلى مساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر عبر الأراضي الصومالية باعتبارها مسألة تمس السيادة ووحدة الدولة.. وكانت إثيوبيا قد وقعت مذكرة تفاهم مع أرض الصومال بشأن الوصول إلى البحر، وهو ما فجّر أزمة حادة مع الحكومة الفيدرالية الصومالية. ثم جاءت (إعلان أنقرة) في ديسمبر 2024 ليؤكد مبدأ احترام سيادة الصومال، مع الاتفاق على بحث ترتيبات تسمح لإثيوبيا بالوصول إلى البحر عبر اتفاقات تجارية تخضع للسيادة الصومالية.. وبالتالي فإن الصومال لا يرفض بالضرورة المبدأ الاقتصادي لوصول إثيوبيا إلى البحر، لكنه يرفض أن يتم ذلك من خلال ترتيبات تنتقص من سيادته أو تتعامل مع أرض الصومال باعتبارها دولة مستقلة.
*ومن هنا تتقاطع الرؤية الصومالية مع الرؤية الإريترية والمصرية في التأكيد على مبدأ سيادة الدول الساحلية، وإن كانت لكل دولة حساباتها الخاصة.
إثيوبيا.. اللاعب الغائب الحاضر:
*المفارقة الأساسية في قمة العلمين أن إثيوبيا ليست طرفًا فيها، لكنها حاضرة في جميع ملفاتها تقريبًا.. هي موجودة في ملف النيل بالنسبة إلى مصر والسودان، وفي ملف الحدود بالنسبة إلى السودان، وفي ملف البحر الأحمر بالنسبة إلى إريتريا، وفي ملف السيادة والوصول إلى البحر بالنسبة إلى الصومال.. والأخطر أن إثيوبيا نفسها تواجه في أكتوبر 2026 تصعيدًا عسكريًا جديدًا في تيغراي ومناطق أخرى، وسط اتهامات متبادلة بينها وبين دول الجوار. وقد حذرت تقارير دولية من أن تجدد الصراع الإثيوبي يمكن أن يتحول إلى نزاع إقليمي أوسع بسبب تداخل المصالح والحدود والتحالفات.. وهنا تصبح القمة الرباعية اختبارًا لقدرة الدول الأربع على إدارة خلافاتها مع إثيوبيا دون الانزلاق إلى سياسة المحاور.
من القمة إلى بناء معادلة إقليمية:
*التحدي الحقيقي أمام قمة العلمين هو ألا تتحول إلى اجتماع لتبادل المخاوف فقط.. فالمطلوب هو إنتاج آلية تشاور مستمرة حول ثلاثة ملفات مترابطة: أمن النيل، أمن البحر الأحمر، ومنع انتقال الصراعات عبر الحدود.. وقد تكون البداية بتثبيت مجموعة مبادئ: احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، رفض استخدام الأراضي الوطنية لتهديد الجيران، دعم التسويات السياسية، ضمان حرية الملاحة، ورفض تحويل الموانئ والممرات البحرية إلى أدوات للصراع
وفي ملف النيل، تستطيع مصر والسودان الدفع باتجاه موقف يقوم على التعاون المائي والقانون الدولي، بدل تحويل الخلاف إلى مواجهة صفرية.
وفي البحر الأحمر، تستطيع الدول الأربع صياغة تصور أمني يربط بين أمن الساحل الغربي للبحر الأحمر وأمن خليج عدن، مع إعطاء الدول المطلة دورًا رئيسيًا في ترتيبات الحوكمة والأمن البحري.
*أما في الملف الإثيوبي، فإن الخيار الأكثر عقلانية ليس عزل أديس أبابا، وإنما دفعها نحو حوار إقليمي يبدد مخاوف جيرانها، ويضمن في الوقت نفسه مصالحها المشروعة في التنمية والوصول التجاري إلى البحر، بشرط ألا يتحول ذلك إلى انتهاك لسيادة الدول الأخرى.
*القمة الرباعية في العلمين إذن ليست مجرد قمة بين أربع دول؛ إنها محاولة لاختبار إمكانية بناء توازن أفريقي جديد في منطقة أصبحت فيها المياه والحدود والموانئ والحروب أدوات متشابكة للقوة.. وإذا نجحت القاهرة والخرطوم وأسمرة ومقديشو في الانتقال من تنسيق المواقف إلى صناعة قواعد مشتركة، فقد تتحول قمة العلمين من اجتماع ظرفي إلى نواة لترتيب إقليمي جديد، لا يقوم على مواجهة إثيوبيا، وإنما على إلزام الجميع بقواعد واضحة تحمي الأمن والسيادة والمصالح المشتركة.
*أما إذا بقيت القمة في حدود البيانات والتشاور، فإن الأزمات المتحركة حولها ستواصل إنتاج واقع جديد على الأرض، وقد تجد الدول الأربع نفسها أمام أزمات أكبر من قدرتها على احتوائها.

*كاتب صحفي مصري