أُغني للسيابِ .. و مقابضُ الأبوابِ تهجو أصابعي

 

حوراء الربيعي / العراق

 

 

( ١ )

أحاولُ تزيينَ هذا البؤسِ بشيءٍ من الفرحِ

وهو بلا مراعاةٍ

يستهزأُ ويجربُ كلَّ الدروبِ لقطعِ مسبحةِ تصبُّرِي

بينما الشاهودُ يُصلبُ بينَ أوتارِ الحنجرة

 

حنجرتي التي صدأتْ ..

.. والحبال تَخنِقُ بعضها

أكلُّ هذا المطرِ من عينيَّ ؟

 

ما لي أقفُ وأحلامي تُقدَّمُ قرابينًا

على مذبحِ الصمتِ

أين صيتي؟

من محا اسمي من على ذاكرتي

أينَ أنا؟ من أنا؟

من هذا الذي يقودني للحافةِ؟

وطنٌ أم منفى ؟

أبعدها شيءٌ من الزهور ؟

أم خريفٌ يأكلُ ما بقيَ مني؟

 

الأبوابُ تبتلعُ مفاتيحَها

تضحكُ أن يدي ما زالت تخيطُ نفسَها للمقابضِ

أقدامي تُجَزُّ كلما حاولتُ الصعود

وأنا اتوكأُ على المعطوبِ من الرئة

بجهدٍ أصلُ ..

لأجد نفسي عند أول مصيدةٍ، من سُلَّمِ العذاب هذا .

 

 

( ٢ )

أقسمُ أنِّ رأيتُ رئةً مزدحمةً بالموتى

وكأنَّ كلَّ من غادرَ

نما على صدري جُرحًا بكلِّ نزفهِ

لِمَ كلُّ الملامحِ في شهيقي وجوههم؟

أينتمي لهم زفيري أيضًا؟

 

هذه القيامةُ حُبلى بالقلقِ

تُرى أتشنقني حناجرهُم بحبالها؟

أم تلوِّحُ لي بسراطٍ ترسمُه المنايا

 

أقدامي تتثاقلُ

من أين جاءت بهذهِ الألسنِ؟

ولِم ما تنفكُّ تخبرُ الساكتين أني سرتُ بهنَّ إلى الهاوية !

أأصابعي تتوجهُ نحوي ؟

كأنِّي موتٌ

أيعقلُ أنِّي أحجيةُ الخرابِ !

 

 

( ٣ )

عجيبةٌ هذهِ الطرق

أكلُّها تؤدي للبؤس؟

ما ذنبُ أقدامِي بلا رأيٍّ تُساقُ

لأقدارٍ كاذبةِ الرؤى

 

أتجربُ على وجعي كلَّ أنواعِ الملح؟

أو كلَّما تنفستْ روحي رُجِمتُ بالدخان؟

أما لهذا السرابِ غيري؟

 

كأنِّي بالخريفِ يتسربُ داخلي

معلنًا فصلًا دائمَ الدمعِ

فالكلماتُ التي لم أقلها، ..

نمتْ على حناجري أغصانَ توتٍ

 

بجانبِ الجدارِ ظلِّي يطفو

ولا شمسَ هُنا

أيحسُّ -مثلي- بثقلِ الأيامِ عليه ؟

 

 

( ٤ )

أجرِّبُ سحبَ الهواء

الى رئتيَّ

من ثقبِ إبرة.

 

أُغني للسيابِ أن يهطلَ

بدلَ مُقلي

علَّ معبدَهُ يجفُّ على خديَّ

 

أتوسلُ الشمسَ

أن غادري جبهتي

فلستُ العراقَ كي تكوني أجملَ ما فيهِ

 

أُناجي الريحَ أن ..

اتركيني

آخرَ ورقةٍ على غُصنِ الخريفِ

بلا اهتزاز

 

أُحايلُ الحُمى بصورِ أُمي

علَّها تكفُّ إن بَردَ قلبي

 

 

( ٥ )

بسببه يا أمي حرمتُ نفسي رؤيتك كل صباح

بسببه لم اشبع على مائدة ولو أكلها قلبي بما فيها

فقديما كنت اتسلى بوجهك مع الخبز

بسببه يا أمي بدلت وجهتي ووجهي

فما عدت أضحك

منبعا لكل ابتساماتي كان صوتك

‏-ذلك الخاتم-

 

يا ليتني اسمعه ولو شتيمة

على باب أذني -صوتك-

لا عبر شاشات عقيمة

إني يا أمي بكل شعوري

أصرخ

لا مكان لي هنا

لا مكان لي إلا في قلبك

 

إني يا أمي قد ضقت ذرعا من هذا المسمى فرح

أود بكل قلبي أن أعود للحزن الذي كنا نتقاسمه

مللت الاحتراق وكل هذا الماء في أعيني

 

( ٦ )

حَدقتُ بعينيكَ طويلًا

بينَ رموشكَ

عن الخُطَّافِ الذي شدَّنِي

كنتُ أبحث.

 

( ٧ )

كُلِّيَ على بَعضٍ مِنكَ يَتكِئ

ما كان كُلِّي بِلاكَ

قائمًا .

 

( ٨ )

لم أكتب الكثيرَ من القصائدِ

هذا العام

يبدو أن البؤسَ الذي كان حبرًا لأوراقي

قررَ الثأرَ

فرمى بظلالهِ أسفلَ عينيَّ

 

أَكُلُّ هذا العام مضى

أين كنتُ؟

أين كان قلمي لمَّا تجردَ عقلي من رزانتهِ

وراحَ يصكُّ وجهي بما يملكُ من لومٍ ؟

أين كان قلمي لمَّا تجرعتْ أُذناي الحنظل ؟

أين كان ظلِّي وأنا أرسم للشمس طريقا عسى أن تُنار العتمة داخلي

 

أكنتُ وحدي؟

لا . !

كنتُ أهزء بالحربِ التي بينَ عينيَّ

وأهدي بصيرتي

لفيء حُبك – أنتَ –

متوغلةً بين يديكَ وهي تُحمَلُ على جيدي قلائدَ

لأُسقي ضمأي بعطركَ

وأعودَ لأمزقَ حبري

من جديد …

 

( ٩ )

خمسة وعشرون عامًا

لا علمَ لي بها أين سُكِبَت

لا شيءَ في يدي

سوى بعضٍ من الشيب

 

( ١٠ )

المطرُ الذي جفَّ مُذ لقيتكِ

كَسرَّ حدودَ الغيمِ

وجرى ..

جرى كمحيطٍ .. يخافُ القيظَ

 

كان يتوجبُ على كفيَّ أنَ تفرقَ خلفَكِ

مُحيطًا

ذلك الإناءُ قَصُرَتْ يَداه

وحتّى المُحيط

قليلٌ مُقارنةً بِما ذُرِفَ عليكِ مِن مَطرٍ

 

المطرُ الصاعدُ للسابعِ مِن السماءِ

حَمل مِن طِينِ الأرضِ

أسرِجةً

علَّ أحصنةَ الجنانِ ترنو لأجنحةٍ قِصار

 

أهو الزمانُ الذي حالَ بينكِ وبيني ؟

أهو المكانُ ؟

أم أنَّها الأجنحةُ صُلبت على مذبحِ الصيتِ من جديدٍ؟