
عمران يعكس قوة ايمان اهل السودان
د.خالد البلولة
في الحلقة رقم (١٣) من حلقات برنامجه الوثائقي (عمران) إلتقى المذيع سوار الدهب بسيدة نازحة من مدينة سنجة فقدت اثنتين من بناتها وأصبحت مسؤولة عن عدد من أحفادها، يعيشون في ظروف قاسية حيث لا تملك شيئا وتفترش الأرض مع أحفادها لتنام عليها، سألها إن كانت راضية بما حدث؟!
أجابت: (كيف ما أرضى وربنا كتب الذي حدث)..ثم روت رؤية رأتها قبل الفجر شاهدت رجلًا ومعه جمعٌ كبير من الرجال فسألته من هؤلاء؟ فأجابها:هؤلاء أحباب الرسول صلى الله عليه وسلم فسألته: وأين رسول الله ؟فأشار أليها أن تنظر نحو القبلة فرأت برقًا ساطعًا كالكهرباء حتى بهر عيناها..وتابعت حديثها قائلة:كنت في بيتي اعد البليلة واحملها في جردل وأذهب به إلى المسجد كل جمعة صدقة، ولم تنقطع هذه العادة إلا بعد النزوح، ومنذ أن توقفت شعرت نفسيا بتعب شديد والآن، بعد صلاة الفجر أشتري تمرًا ب(٥٠٠) جنيه وأوزعه على الأطفال في معسكر النزوح، يأخذ كل واحد منهم تمرة واحدة لأنني لم أعد أستطيع توفير البليلة..وأضافت متأملة في واقع النزوح: تعلمنا أشياء كثيرة بعد هذه المحنة، أدركنا احتياج الأطفال للطعام، فهناك من ينام جائعًا، وعرفنا أن بعض البيوت فيها عشاء وأخرى لا تجد قوت يومها، أحيانًا أسمع بكاء طفل من الجوع، وإذا كان لدي أي طعام حتى ولو شق تمرة واحدة أعطيها له لأنني لا أتحمل رؤية بكاء الاطفال رغم أنني في حاجة ماسة للطعام لكن أتحمل الجوع في نفسي، علمتنا الحرب كل شيء، وعرفنا النعم التي كنا فيها، اصبحنا نحصل على كمية قليلة من الطعام، (كمشة) واحدة لكننا نأخذها برضا وقناعة تامة..
*هذه المراة رغم قسوة الظروف الذي تعيشها إلا أنها لم تفقد حسها الإنساني ورغبتها في العطاء، انتقالها من تقديم جردل البليلة للمصلين إلى توزيع التمر على الأطفال حتى ولو كان تمرًا قليلًا يعكس طبيعة المجتمع السوداني القائم على التكافل حتى في أقسى الظروف..
هذه السيدة تمثل نموذجًا أصيلًا للإنسان السوداني في صبره وتكافله وإيمانه العميق بالقضاء والقدر.
الانسان السوداني بطبعه متسامح، قنوع، وصاحب قلب رحيم، حتى في أشد الظروف رغم المحنة القاسية التي تمر بها، لم تتخلَ عن روح العطاء، بل وجدت بديلاً بسيطًا لمواصلة فعل الخير، وهو توزيع التمر بدلاً من البليلة، وهذا يعكس عمق الإحساس بالآخرين، كما أن حديثها عن الجوعى ومحاولتها التخفيف عنهم رغم فقرها، يجسد طبيعة السوداني الذي لا يأكل وحده، ويشعر بالآخرين حتى لو كان في أمسِّ الحاجة. قولها:(أنا أتحمل الجوع لكن لا أتحمل بكاء طفل جائع) هو تعبير صادق عن إنسانية السودانيين الذين يشتهرون بالتكافل والتراحم.
حتى في أصعب الأوقات، يبقى الانسان السوداني صامدًا، متمسكًا بقيمه، لا يتخلى عن الكرم، ولا يفقد إحساسه بالرضا.
تجربة هذه السيدة ليست مجرد قصة معاناة، بل شهادة حية على جوهر الإنسان السوداني الحقيقي.