(أصداء سودانية) تفتح ملف سودانير(2)
- حقيقة (المطبات الهوائية) التي أطاحت بالخطوط الجوية السودانية
- رصاصة الرحمة التي تسببت في سقوط سودانير بعد أن كانت تحتل المركز 88 في تصنيف (سكاي تراكس)
- الفساد والإنتماء السياسي في تعيين المدراء وتجاهل الكفاءات عوامل هوت بسودانير
- مصدر: الإنقاذ تعمدت شل حركة الناقل الوطني لتمكين شركات الطيران الخاصة التابعة للموالين لها
تحقيق ــ التاج عثمان:
فرحة غامرة إنتابت السودانيين داخل وخارج البلاد وهم يشاهدون اول طائرة ركاب للخطوط الجوية السودانية تهبط بمطار الخرطوم الدولي قادمة من بورتسودان يوم الاحد أول فبراير 2026 وذلك بعد غياب دام ثلاث سنوات بسبب الحرب.. الأول من فبراير من العام 2026 يمثل لحظة تاريخية فاصلة في مسيرة الناقل الوطني سودانير منذ تأسيسها في العام 1946 كأول خطوط طيران تجاري في افريقيا وكل منطقة الشرق الأوسط.. كان كل سوداني يفتخر ويزهو بها ويتسابق الأجانب للظفر بمقعد داخلها لشهرتها وجودة خدماتها.. ولكن للأسف أثناء مسيرتها الطويلة التي إمتدت لأكثر من 80 عاما ولأسباب وعوامل كثيرة تعرضت سودانير لـ(مطبات هوائية) سياسية وإقتصادية وإدارية وعالمية تسببت في فقداناها لأسطولها من الطائرات الواحدة تلو الأخرى ولمحطاتها باوروبا وافريقيا والدول العربية.. (أصداء سودانية) تفتح على حلقات ملف الناقل الوطني (سودانير) وتكشف لأول مرة خبايا وأسرار وحقائق غائبة عن الكثيرين حول الأسباب والعوامل الحقيقية التي جعلتها تغيب تماما عن سماوات الطيران المحلي والعالمي خلال السنوات الماضية.
طيارون ممتازون:

سودانير في أوج إزدهارها كانت تصنف بأنها أفضل شركات الطيران في أفريقيا والدول العربية قاطبة، وكانت تقدم خدماتها إلى أكثر من 12 وجهه دولية ومحلية، وكانت تحتل المرتبة 88 في تصنيف (سكاي تراكس) لشركات الطيران العالمية.. وكانت سودانيرعضوا في الإتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا).. ولذلك حققت أرقاما مذهلة،على سبيل المثال بلغ عدد المسافرين على متن الناقل الوطني (سودانير) أيام عصرها الذهبي (3.5) مليون مسافر في عام واحد فقط، وعدد الرحلات في نفس العام كان (30.000) رحلة، والإيرادات وصلت إلى (1.5) مليار دولار في العام، لكن كل تلك المزايا والسمعة الدولية الممتازة التي كانت تتمتع بها حتى السبعينات بما فيهم الطيارين السودانيين الأكفأ، ذهبت ادراج الرياح.
ففي بداية إنطلاقها عام 1947 إعتمدت الخطوط الجوية السودانية على طيارين أجانب، ثم بدأت بعدها تدريب وتوظيف طيارين سودانيين.. ويعتبر، موسى بابكر بدري، أول سوداني حصل على رخصة الطيران من العاصمة المصرية القاهرة عام 1945.. بعدها تم إرسال دفعة من الطيارين السودانيين للتدريب في الخارج خاصة العاصمة البريطانية لندن بمعهد طيران بيرث، منهم كابتن، شيخ الدين محمد عبد الله، الذي أصبح بعد تخرجه اول قائد طائرة سوداني، وكابتن، عمر عبد الله السعيد، أحد أوائل الطيارين السودانيين الذين درسوا وتدربوا على الطيران بلندن، وكابتن، حسن زلفو، جميعهم أسهموا ووضعوا بصماتهم في بناء وتطوير الخطوط الجوية السودانية.
رصاصة الرحمة:
إعترضت مسيرة سودانير (مطبات هوائية) كثيرة تسببت في تدهورها كثيرا، وكان عام 1980 بداية إنهيار شركة الخطوط الجوية السودانية وذلك بعد توقف الدعم الحكومي لها، أعقب ذلك الحظر الأوربي على السودان بعدم السماح له شراء الطائرات العسكرية والمدنية في آواخر التسعينات من القرن الماضي، وكان قرار الحظر الأوربي بمثابة (رصاصة الرحمة) التي كتمت ما تبقي من أنفاسها، حيث اصبحت الشركة تعتمد في تسيير رحلاتها إلى تأجير الطائرات من شركات الطيران العربية والعالمية بهدف تقليل التكاليف الضخمة لشراء طائرات جديدة، بجانب تقليل تكاليف الصيانة، فشركات التأجير الأجنبية عادة تتولى مسؤولية صيانة وتشغيل طائراتها المؤجرة، كما ان تأجير الطائرات يسمح لسودانير بإستخدام طائرات حديثة وتكنولوجية متقدمة دون الحاجة إلى شرائها، ويمكن القول ان إعتماد الخطوط الجوية السودانية خلال السنوات السابقة إستنزف مواردها بدرجة كبيرة خاصة إذا علمنا ان تأجير الطائرة الواحدة حسب حجمها في حدود (1000 ــ 10.000) دولار في الساعة الواحدة.. وحسب ما معمول به فهناك نظامين لتأجير الطائرات:
ــ التأجير الرطب: حيث توفر شركة التأجير الطائرة والطاقم والصيانة والتأمين.
ــ التأجير الجاف: وطبقا لهذا النظام توفر شركة التأجير الطائرة فقط بينما تتولى سودانير مسؤولية التشغيل والصيانة والتأمين.
ومن المطبات الهوائية العنيفة التي واجهت سودانير، الحظر الإقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة على السودان عام 1997 والذي كان تأثيره كبيرا على قدرة سودانير الحصول على قطع الغيار والصيانة الازمة لطائراتها حيث عانت كثيرا من ذلك، فإضطرت لإرسال طائراتها للصيانة في الخارج، خاصة اوكرانيا والهند، لعدم وجود إمكانيات فنية وتقنية لصيانتها محليا بسبب الحظر الأمريكي، رغم ان الشركة تمتلك ورشا لصيانة الطائرات بمطار الخرطوم الدولي.. وكانت الشركة تواجه تحديات في توفير التمويل اللازم للصيانة الخارجية مما كان يتسبب في تأخير عودة الطائرات بعد صيانتها لعدم سداد الشركة لتكاليف الصيانة المطلوبة، حيث كانت الشركة تعاني من مشاكل مالية كثيرة وكبيرة، لإعتمادها تعتمد بشكل كبير على الدعم الحكومي.. وكانت الطامة الكبرى فشل خصخصة الناقل الوطني عام 2007 لتعود ملكية الشركة حاملة معها فشلها للحكومة مرة أخرى.. ومن أسباب فشل سودانير الحوادث الجوية المتكررة التي تعرضت لها طائراتها، منها حادث تحطم البوينغ (737) عام 2003.. وحادثة تحطم طائرة إيرباص (310 إيه) عام 2008.. وساهم عدم كفاية الصيانة ونقصها، وعدم وجود التدريب اللازم والنقص في قطع الغيار في تساقط وتحطم عدد من طائرات الشركة.. ومن المطبات الهوائية التي إعترضت مسيرة سودانير وتسببت في فشلها الإنتماء السياسي في تعيين مدراء شركة الخطوط الجوية السودانية، وتجاهل تعيين الكفاءات.
أصابع إتهام:

أصابع إتهام لوح بها البعض تتهم الحكومة السابقة بأنها تعمدت شل حركة شركة الخطوط الجوية السودانية لصالح بعض الشركات الخاصة وعدد من النافذين والموالين لها، صاحب ذلك تصفية وخصخصة عدد كبير من مؤسسات القطاع العام بما فيها شركة الخطوط الجوية السودانية، حيث تعرضت حوالي 273 مؤسسة عامة للخصخصة في المرحلة الأولى، مما تسبب في تشريد 8934 من العاملين بتلك المؤسسات العامة، وتم تحويل ملكيتها لأفراد يتبعون للنظام الحاكم في تلك الفترة.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا قامت الحكومة وقتها بتضمين الخطوط الجوية السودانية للشركات العامة التي قررت خصخصتها رغم ان وضعية سودانير لها خصوصية لكونها تتعلق بالسيادة الوطنية؟.
من بين الأسباب التي قامت بموجبها الحكومة بخصخصة الخطوط الجوية السودانية عام 2007، تخفيف العبء المالي على الدولة التي كانت هي الأخرى تترنح من الأعباء المالية.. وتحسين كفاءة الشركة لزيادة قدرتها على المنافسة في سوق الطيران المدني، بجانب جذب إستثمارات جديدة وتقنيات حديثة للشركة.. وتمت عملية خصخصة سودانير ببيع الحكومة لجزء من أسهم شركة الخطوط الجوية لبعض الشركات الخاصة، وتم تشكيل مجلس إدارة مشترك بين الحكومة والشركات الخاصة لإدارة الشركة، إلا أن الخصخصة فشلت ولم تحقق الأهداف والنتائج المرجوة منها.. وتحت الضغوط السياسية من العاملين بالشركة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني المطالبة بعودة سودانير إلى ملكية الدولة مرة أخرى، عادت بعد فترة قصيرة لأحضان الحكومة التي كانت هي الأخرى تترنح من العجز المالي.. فإستمرت مشاكل الشركة المالية وتفاقمت كثيرا.
الحلقة القادمة:
ــ بُشريات من رئيس الوزراء، كامل إدريس، لإعادة لناقل الوطني لعصره الذهبي.
ــ ماذا قال كابتن طيار، شيخ الدين محمد عبد الله، اول قائد طائرة سوداني حول إنهيار شركة الخطوط الجوية السودانية؟.
ــ خبير إستراتيجي: سودانير إرث مهني وتاريخي لا يجب تركها وحيدة للنسيان.