آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (37) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ح))

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*وبعد نقلي في حالة من السعار للكشف الطبي، استطعت أن أفلت، فقفزت صوب النافذة في الممر، وكسرت الزجاج فقطعت يدي ها هي ندبة عميقة لا تزال موجودة، قضيت الليالي الأولى في المشفى وأنا في حالة من شبه الحمى الدماغية، إلا أن جهازي العصبي عاد – بحسب رأيه – إلى طبيعته. لكنه أضاف بصوت خافت: (أفضل بالطبع ألا أطلع السادة على هذا الخبر، وإلا أعادوك إلى هناك مرة أخرى. ثق بي، فأنا سأفعل كل ما بوسعي.

*لم يصلني ما قاله هذا الطبيب الخدوم لجلاديني عني؛ لكنه على كل استطاع أن يحقق ما أراد، وهو الإفراج عني.

*ربما وصفني لهم بالمختل عقلياً أو ربما أصبحت في غضون هذا الوقت لا أمثل للجيستابو قيمة؛ حيث فقد هتلر بعد احتلاله محمية بوهيميا التشيكية اهتمامه بأمر النمسا. هكذا ما كان علي إلا التوقيع على تعهد بمغادرة الوطن في ظرف أسبوعين انشغلت خلال هذه الفترة بآلاف الإجراءات الرسمية التي يحتاج إليها المواطن العالمي في أيامنا هذه للسفر إلى الخارج ما بين أوراق عسكرية وشرطية و ضريبية وجواز سفر وتأشيرة وشهادة صحية حتى لم يتح لي أي وقت للتفكير فيما كان.

*يبدو أن مخ الإنسان به قوى غامضة منظمة تستبعد ذاتياً كل ما يمكن أن يمثل عبئاً أو خطورة على الروح، فكلما عدت بالذاكرة إلى الوقت الذي قضيته في الزنزانة وجدت مخي ينطفئ، وبعد انقضاء أسابيع عديدة حين وصلت هنا على ظهر هذه السفينة وجدت الشجاعة لأتذكر ما حدث لي.

*لعلك أدركت الآن لماذا تصرفت بقلة ذوق غير مفهومة  أمام أصدقائك. فمروري على غرفة المدخنين كان محض صدفة وعندما رأيت أصدقاءك جالسين أمام رقعة الشطرنج شعرت بقدمي تتسمر رغماً عني من الذهول والفزع؛ إذ كنت قد نسيت تماماً أنه بالإمكان لعب الشطرنج على رقعة حقيقية بقطع حقيقية، وأن غريمين مختلفين يجلسان بشحمهما ولحمهما قبالة بعض. وبالفعل لزمني بضعة دقائق لأتذكر أن اللعبة التي يلعبها هؤلاء اللاعبون هي في الحقيقة نفسها التي حاولت لمدة شهور – من شدة اليأس – أن ألعبها ضد نفسي. أما الرموز التي استعنت بها خلال تجاربي البائسة كانت في الأصل بديلاً لهذه القطع الخشبية ورموزاً لها.

نهاية المداد:

صاحِب من الناس كبار العقول

واترك الجُهّال أهل الفضول

واشرب نقيع السمِّ من عاقلٍ

واسكب على الأرض دواء الجَهول

(عمر الخیام)