آخر الأخبار

التصعيد يهدد باجتياح المنطقة.. اليوم الخامس من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

 دكتور مزمل سليمان حمد

 

*دخلت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يومها الخامس وسط تصعيد غير مسبوق في تاريخ الصراعات الإقليمية الحديثة. تصعيد لم يعد يقتصر على ضربات عسكرية متبادلة، بل بات يعكس ملامح صدام استراتيجي مفتوح قد يعيد رسم توازنات الشرق الأوسط لسنوات مقبلة.

*فمع انقضاء اليوم الخامس، بات واضحًا أن ما يجري تجاوز إطار (الردع المحدود) إلى مواجهة مركبة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية على نحو بالغ الخطورة. على المستوى الميداني، شهد اليوم الخامس توسعًا ملحوظًا في نطاق العمليات العسكرية، حيث واصلت القوات الأمريكية والإسرائيلية تنفيذ ضربات جوية مركزة داخل العمق الإيراني، استهدفت منشآت يُعتقد أنها ذات صلة بالقدرات العسكرية والتكنولوجية الحساسة.

*هذا التصعيد حمل رسالة سياسية بقدر ما هو عسكري، مفادها أن واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى فرض معادلة تفوق ميداني ونفسي، لا الاكتفاء بإجراءات ردعية مؤقتة. في المقابل، لم تقف إيران موقف المتلقي، بل كثفت من ردودها الصاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، مستهدفة مواقع داخل إسرائيل، إضافة إلى قواعد ومصالح أمريكية في المنطقة.

*وقد دلّ اتساع رقعة الرد الإيراني، جغرافيًا ونوعيًا، على سعي طهران إلى تثبيت معادلة (القدرة على الإيذاء المتبادل)، وإثبات أن كلفة استمرار الحرب لن تكون أحادية الجانب، بل ستطال كل منخرط فيها بشكل مباشر أو غير مباشر.

*سياسيًا، أظهر اليوم الخامس بوضوح أن الحرب لم تعد مجرد قرار عسكري، بل باتت أزمة سياسية دولية مكتملة الأركان. فقد تصاعدت التحركات الدبلوماسية في الكواليس، وسط انقسام عالمي حاد بين داعم للموقف الأمريكي-الإسرائيلي، ومطالب بوقف فوري لإطلاق النار خشية انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.

*هذا الانقسام كشف هشاشة النظام الدولي في إدارة الأزمات الكبرى، وعجزه عن فرض مسارات تهدئة حقيقية في ظل تضارب المصالح الاستراتيجية للقوى المؤثرة. اقتصاديًا، بدأت التداعيات تتجاوز حدود المنطقة، مع ارتفاع ملحوظ في أسعار الطاقة، واضطراب حركة الملاحة الجوية والبحرية، وتزايد المخاوف من تأثيرات أوسع على سلاسل الإمداد العالمية.

*وقد أسهمت التهديدات المتكررة بإغلاق ممرات ملاحية حيوية في تعزيز حالة القلق داخل الأسواق الدولية، ما ينذر بأن استمرار الحرب قد يحمل تبعات اقتصادية لا تقتصر على أطراف الصراع وحدهم، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

*أما على الصعيد الإنساني، فقد كان اليوم الخامس شاهدًا على تزايد أعداد الضحايا المدنيين واتساع دائرة المعاناة، سواء داخل إيران أو في إسرائيل، فضلًا عن المخاوف المتنامية على المدنيين في دول الجوار.

*هذا البعد الإنساني، الذي غالبًا ما يُهمَّش في الحسابات العسكرية، بات عنصر ضغط أخلاقي وسياسي متصاعد، في ظل تنامي الانتقادات الحقوقية والدعوات الدولية لوقف التصعيد وحماية المدنيين.

*تحليليًا، يمكن القول إن اليوم الخامس شكّل نقطة مفصلية في مسار الحرب، إذ كشف أن الصراع لا يتجه نحو حسم سريع، بل يسير في مسار استنزاف طويل الأمد، تُستخدم فيه القوة العسكرية كأداة ضمن صراع إرادات أوسع.

كما أظهر أن جميع الأطراف باتت أسيرة حسابات معقدة: فالتراجع مكلف سياسيًا، والاستمرار محفوف بمخاطر توسع الحرب إقليميًا وربما دوليًا.

*في المحصلة، لم يكن اليوم الخامس مجرد يوم إضافي في حرب متصاعدة، بل لحظة كاشفة لطبيعة الصدام وحجمه الحقيقي. صدام تتقاطع فيه القوة مع السياسة، والمصالح مع المخاوف، وتتشابك فيه الحسابات المحلية مع التداعيات العالمية.

*وإذا استمرت هذه الوتيرة من التصعيد دون تدخل دولي فعّال، فإن المنطقة قد تكون على أعتاب مرحلة جديدة، أكثر اضطرابًا وأشد كلفة، تتجاوز آثارها حدود الشرق الأوسط إلى النظام الدولي بأكمله.