آخر الأخبار

الخرطوم وأديس أبابا … أزمات طويلة وحلول شائكة

  • برغم حتمية المصالح المتبادلة إلا أن اثيوبيا تحاول الاصطياد في المياه العكرة
  • السيولة الأمنية في منطقة القرن الافريقي سبب أساسي في تعقيد مشاكل البلدين
  • دخول الإمارات لتمرير مصالحها في أثيوبيا معادل مهم في توتر البلدين الشقيقين
  • سياسات( أبي أحمد) المتقلبة تجاه العلاقة مع السودان أما آن له أن يراجعها والمشاكل الداخلية تحاصره من كل جانب

تقرير – دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
ظلت السمة الغالبة للعلاقات السودانية الاثيوبية متجاذبة بين التائين( تاء التعاون) و(تاء التوتر) وبرغم وشائج القربى والاخاء بين الشعبين الشقيقين حيث ان بين البلدين مجموعات سكانية متداخلة ومتساكنة على الحدود المشتركة وبرغم ان السودان ظل يمثل الملاذ الآمن والافضل للشعب الاثيوبي والذي ظلت اعداد كبيرة منه تلجا إلى اقليمه الشرقي بولاياته الثلاث القضارف وكسلا والبحر الأحمر ومنها إلى العاصمة الاتحادية الخرطوم وإلى مدن الوسط الاخرى وتجد كل ما يجده المواطن السوداني من ماوى وسكن وعلاج وغذاء وتعليم ابناء وذلك بمعاونة المنظمات الاقليمية والدولية للاجئين ومن كثرة التواجد الاثيوبي في شرق السودان ظلت المجتمعات الشعبية تردد الطرفة الشعبية الذائعة الصيت على لسان مواطني مدينة القضارف بالقول (والله نحن نمثل الجالية السودانية في مدينة القضارف) وذلك في اشارة إلى الوجود الكثيف للاشقاء من الشعب الاثيوبي.
تاريخية التوتر في العلاقات:


العلاقات الثنائية المشتركة بين السودان واثيوبيا ظل طابعها العام وعبر سنوات طويلة من التاريخ متارجحة بين التعاون المثمر الذي تحتمه علاقات الجوار التي تحكمها أزلية العلاقات والتداخل بين الشعبين الشقيقين والمصالح المشتركة في مياه النيل إذ أن دولة اثيوبيا تمثل احدى دول منبع نهر النيل إذ أن منبع نهر النيل الأزرق من اعالى الهضبة الاثيوبية وان السودان أحد دول مصب نهر النيل حيث يلتقي النيلان الأزرق والأبيض عند الخرطوم مقرن النيلين ثم يشكلان نهر النيل وغني عن القول ان دول منبع ودول مصب نهر النيل تحكمها محددات قانونية في ادارة أمر مياه النيل مما يجعل أي تصرف في اموره يتقضي التحاكم اليها وإلى كل النظم الدولية الحاكمة لمياه الأنهار.. أما أسباب التوتر فقد ظلت اثيوبيا من خلال العقود الماضية تشكل حاضنة لحركات التمرد ضدالدولة السودانية وحتى الآن فهذه واحدة من الأسباب التي ادت لتوترات العلاقة مع السودان وإذا استعرضنا تاريخ التمرد في السودان منذ التمرد الاول أغسطس 1955م قبيل استقلال السودان باقل من سنة لعبت فيه ادوارا وإن كان يحمد لها أن أديس أبابا احتضنت مفاوضات السلام والتي انتهت بتوقيع أديس أبابا بين الحكومة السودانية وقتها برئاسة الرئيس الراحل جعفر محمد نميري والتمرد بقيادة اللواء وقتها جوزيف لاقو في 3مارس1972م..ثم جاءت اثيوبيا على ايام الرئيس (مانغستو) واحتضنت حركة التمرد التي قادها الدكتور جون قرنق ثم كانت اديس نفسها جزءا من العديد من مفاوضات السلام وجزءا الاليات الاقليمية عبر الاتحاد الافريقي لتهدئة الاوضاع في اقليم دارفور وايضا وبرغم جدلية النزاع الحدودي المتطاول بين السودان واثيوبيا والذي لم يحسم وظلت الخرطوم واديس تتفقان على ابقاء الوضع الحال على ما هو عليه إلا أن اثيوبيا ظلت تتجاوز ذلك في ما يتعلق باراضي الفشقة.. فتارة يقوم المزارعون بزراعة الاراضي السودانية وتارة تتوغل القوات الاثيوبية داخل الاراضي السودانية وتمنع المواطنين السودانيين من مزاولة انشطتهم المعتادة وتارة ثالثة يقوم مواطني المنطقة باعمال عادية تنتهي بموت مواطنيين سودانيين وابرياء كل ذلك يجعل الجيش السوداني يضطر إلى القيام بالاعمال التي يتقضيها واجبه الدستوري لحماية مواطنيه والدفاع عن اراضيه وخلاصة القول ان اثيوبيا تحاول الاصطياد في المياه العكرة ويكفي انها في هذه الحرب الماثلة قد لعبت ادوارا سالبة تجاه السودان إذ أنها وقفت تلك المواقف ارضاءا لدولة الإمارات العربية المتحدة والتي لها مصالح (بالحق والباطل) في منطقة القرن الافربقي بالحق عبر اتفاقيات مشتركة وبالباطل عبر السياسات التوسعية التي تقوم بها في منطقة افريقيا جنوب الصحراء ومنطقة القرن الافريقي خاصة عبر الدول المطلة على سواحل البحر الأحمر فتستخدم مع حلفائها الجذرة ومع غير المتحالفين معها العصا ومنها السودان (عصا الدعم السريع )واثيوبيا التي تمثل وكيل الامارات في تمرير سياساتها وبذلك يصبح دخول الامارات لتمرير مصالحها في اثيوبيا والقرن الافريقي ومعلوم ان ابوظبي استغلت الهشاشة والسيولة الأمنية في القرن الافريقي لتتحكم في اوضاعه السياسية والأمنية كل ذلك أسهم في أن يكون معادلا مهما في توتر العلاقات بين الخرطوم واديس بالاضافة إلى التحركات الاثيوبية لمساندة قوات الدعم السريع المتمردة والتي تحاول ايجاد موطئ قدم لوجودها في اقليم النيل الأزرق المتاخم لاثيوبيا حيث قامت الاخيرة بفتح معسكر للتدريب القتالي لصلح متمردي الدعم السريع.
خارطة الحلول والطريق الشائك:


التوترات في العلاقات السودانية الاثيوبية خارطة حلولها بيد الحكومة الاثيوبية والتي تحاصرها الكثير من الازمات الاخرى مثل التوتر الذي يمكن ان يفضي إلى تجدد الحرب مع جارتها اريتريا بالاضافة إلى صراعاتها مع المكونات السكانية داخل اثيوبيا (التيغراي والامهرا والارومو) كلها لها صراعات مع أبي أحمد ووجوده الاثني (والده مسلم من الارمو وامه مسيحية من الامهرا) على قمة الجهاز الحكومي الاثيوبي والسبب في ذلك عدم قدرته في ايجاد توافق بين هذه المكونات والتي لها احقية في إدارة الدولة إذا ما تم إدارة التنوع فيها بعدالة وهذا ما عجز فيه ابي أحمد مما جعله محاصرا اثنيا ودينيا ومع ذلك لجأ إلى توتير علاقاته مع السودان هروبا من الواقع المتفجر وبالتالي من الاجدى له ان يراجع مواقفه ويلتفت لحل مشكلاته الداخلية ولابد من النظر بجدية إلى مصالحه مع السودان خاصة وانه دولة حبيسة (مغلقة لاموانئ فيها) مما يحتم عليه تحسين علاقاته مع السودان لان الامارات مجرد ان تقضي (وطر مصالحها) الآنية من اثيوبيا ستذهب إلى مصالح جديدة وإلى دول جديدة وهي الآن تحاصرها التفاعلات الجديدة بسبب حرب امريكا واسرائيل مع ايران وهذه الاخيرة بدأت في ضرب المصالح الامريكية في دول الخليج العربي والتي من بينها الإمارات والتي لحقتها بعض ردود الفعل الايرانية وأظن أمام رئيس الوزراء الاثيوبي (ابي أحمد)قد حانت الفرصة له ولحكومته ان ياخذ تصريحات الخارجية الامريكية على لسان المتحدث باسمها والذي جاءت لهجته تحذيرية حيث جاء في الخبر والذي نشرته (اصداء سودانية)من
قناة الشرق والذي جاء فيه (وجهت الولايات المتحدة الامريكية تحذيرا شديد اللهجة للقوي الاقليمية وفي مقدمتها اثيوبيا من مغبة الانخراط العسكري في الازمة السودانية معتبرة ان اي اسناد خارجي لاطراف الصراع يمثل وقودا لاطالة امد الحرب وتعميق المعاناة الانسانية .وقد جاءت هذه التصريحات ل(كبح جماح)للتحركات الاثيوبية
الخيرة على الحدود السودانية لتعكس الرغبة الامريكية في عزل الصراع عن التجاذبات الاقليمية والضغط باتجاه حل تفاوضي سلمي لإنهاء الحرب.