
مبادرة المخابرات لتسريع العودة الطوعية وصناعة الأمل
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
د. مزمل سليمان حمد
*في اللحظات الفاصلة من تاريخ الشعوب، لا تُقاس قوة الدول بقدرتها على فرض السيطرة فحسب، بل بمدى نجاحها في إعادة الأمل إلى مواطنيها، وابتكار مسارات واقعية للخروج من الأزمات. والسودان، وهو يمرّ بواحدة من أعقد مراحله منذ اندلاع حرب أبريل 2023، يواجه تحديًا وجوديًا لم يقتصر أثره على مؤسسات الدولة وبناها التحتية، بل امتد ليطال الإنسان في أمنه ومعاشه واستقراره، دافعًا الملايين إلى دوائر النزوح واللجوء داخل الوطن وخارجه.
*وسط هذا المشهد المعقّد، تبرز مبادرة جهاز المخابرات العامة لتسريع العودة الطوعية بوصفها تحوّلًا نوعيًا في التعاطي مع الأزمة؛ إذ تنقل الجهد الوطني من مجرد إدارة التداعيات إلى محاولة معالجتها جذريًا، عبر إعادة المواطنين إلى مناطقهم بصورة منظمة وآمنة، بما يسهم في استعادة التوازن المجتمعي وتخفيف الضغط عن مناطق النزوح ودول الجوار.
*غير أن هذه المبادرة لا تأتي في فراغ، فقد سبقتها جهود معتبرة قادتها منظومة الصناعات الدفاعية، التي اضطلعت بدور مقدّر في دعم المتأثرين والتخفيف من معاناتهم. إلا أن اتساع رقعة الأزمة وتزايد أعداد النازحين فرض واقعًا جديدًا يتطلب تدخلًا أكثر شمولًا وتنسيقًا، وهو ما تجسّد في دخول جهاز المخابرات العامة بثقله المؤسسي وخبرته التراكمية إلى هذا الملف الحيوي.
*ما يميّز هذه الخطوة أنها تنطلق من فهم عميق لطبيعة الأزمة، فالجهاز بحكم اختصاصه يمتلك قاعدة معلومات دقيقة تمكّنه من تشخيص جذور المشكلة، لا الاكتفاء برصد مظاهرها ومن هنا جاء تدخله ليؤدي دورًا قياديًا في تنسيق الجهود، وتعزيز المبادرات، وفتح مسارات جديدة لمعالجة واحدة من أعقد قضايا المرحلة: العودة الطوعية.
*فالعودة، في جوهرها، ليست مجرد انتقال جغرافي، بل عملية مركّبة تتطلب تهيئة بيئة آمنة، وتوفير الخدمات الأساسية، وضمان سبل العيش، ومعالجة الآثار النفسية والاجتماعية التي خلّفتها الحرب.. ومن دون هذا الفهم الشامل، قد تتحول العودة إلى عبء جديد بدل أن تكون بداية للاستقرار. وهنا تتجلى قيمة المبادرة، إذ تعكس وعيًا متقدمًا بأن الأمن الحقيقي يبدأ من استقرار الإنسان في موطنه، وقدرته على استعادة حياته الطبيعية.
*كما تسهم هذه المبادرة في تخفيف الضغط المتزايد على دول الجوار التي استقبلت أعدادًا كبيرة من السودانيين، في ظروف تفوق أحيانًا طاقتها الاستيعابية. ومن هذا المنطلق، فإن تسريع العودة الطوعية لا يخدم الداخل فحسب، بل يعزز التوازن الإقليمي ويدعم العلاقات مع الدول الشقيقة، مثل مصر، وإثيوبيا، وجنوب السودان، وتشاد، وليبيا، وأفريقيا الوسطى، حيث تتقاطع الاعتبارات الإنسانية مع الأبعاد الأمنية.
*ولعل الأثر الأعمق لهذه المبادرة يكمن في إعادة تعريف دور المؤسسات السيادية؛ فحين يتقدّم جهاز أمني بهذا الحجم ليقود مبادرة إنسانية، فإنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن مفهوم الأمن لم يعد حبيس التعريفات التقليدية، بل أصبح أكثر التصاقًا بحياة الناس وكرامتهم. وهذا التحول في الوعي المؤسسي يمثل أحد أهم مرتكزات بناء الدولة في هذه المرحلة الدقيقة.
*كما تفتح المبادرة الباب أمام بلورة نموذج وطني متكامل، تتضافر فيه جهود المؤسسات الرسمية مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، ضمن رؤية موحدة تستهدف إعادة الإعمار الاجتماعي قبل العمراني. فعودة المواطنين إلى مناطقهم تمثل الخطوة الأولى في استعادة الدولة لعافيتها، وبداية الطريق نحو الاستقرار والتنمية المستدامة.
*وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى القيادة التي تقف وراء هذه المبادرة، وعلى رأسها المدير العام الفريق اول أحمد إبراهيم مفضل، الذي يجسّد حضوره هذا التحول في فهم الدور الأمني، حيث تتكامل الحنكة الأمنية مع البعد الإنساني في معالجة القضايا الوطنية الكبرى.
*إن مبادرة تسريع العودة الطوعية ليست برنامجًا مرحليًا فحسب، بل يمكن أن تتحول إلى مشروع وطني ممتد، إذا ما توفرت لها مقومات الاستمرار من دعم وتنسيق وتخطيط استراتيجي. فالسودان، رغم جراحه، يمتلك من الموارد والقدرات ما يؤهله للنهوض من جديد، متى ما توفرت الإرادة وتكاملت الجهود.
*وفي الختام، يظل هذا الجهد محل تقدير واعتزاز، ونحيّي جهاز المخابرات العامة، قيادةً ومنسوبين، على هذه المبادرة التي أعادت طرح سؤال الدولة في أنبل صوره: كيف نخدم الإنسان؟ وكيف نصنع الأمل؟ وهي أسئلة، إن أُحسن التعامل معها، ستقود بلا شك إلى عبور آمن من واقع المعاناة إلى فضاء الاستقرار، ومن ظلال الأزمة إلى شمس المستقبل.