
بين شرارة البداية وخيانة الطريق.. تأمّلات في انحراف الثورة
د. الهادي عبدالله أبوضفائر
*ليست الثورة ما يعلو في صخب الشارع، بل ما يترسّخ في عمق الوعي. لم تولد كحدثٍ سياسيٍّ طارئ، بل كانت لحظة انكشافٍ كبرى استعاد فيها الإنسان وعيه بين ركام التاريخ. عند اندلاعها، لم يجتمع الناس حول برنامجٍ مفصّل، بل على يقينٍ واحد. أن الوطن أوسع من الخوف، وأن الكرامة لا تُساوَم.
*لم يكن صراعاً على السلطة، بل تمرّداً على اختزال الإنسان في قوالب ضيّقة.. انبثقت كصرخةٍ أخلاقية قبل أن تتشكّل مشروعاً سياسياً، تؤكّد أن الكرامة لا تُقاس بالعنف، ولا تُصادَر بالأيديولوجيا، ولا تُحتكر بالقبيلة. وفي عمقها، كانت محاولة لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع. مواطنة تُبطل منطق الغلبة، وشراكة تُسقط وهم الإقصاء، وتفتح أفقاً لوجودٍ إنسانيّ أكثر عدلاً واتساعاً
*ليس أخطر ما يواجه الثورة أن تُهزم في ذروة اندفاعها، بل أن تنحرف وهي تظنّ نفسها ما تزال على الطريق.. فالهزيمة الصريحة يُراجع أمرها، أما الانحراف فيتسلّل خفيةً عبر مسالك التحوّل.. وحين خفتت الهتافات وبدأت معركة التفاصيل الدقيقة، لم تُعلن الخطة الخفية عن نفسها بصخب، بل زحفت بهدوء، مائلةً البوصلة بمقدار طفيف، حتى صار المسار غير ما ابتدأ، والغاية غير ما أراد لها.
*لم تكن الخطة الخفية نصّاً مكتوباً، بل سلوكاً يتخفّى في صمت الممارسة.. بدأت حين انحرفت الثورة عن أفقٍ جامع إلى صراع النخب، لحظة طرح السؤال: من يحكم؟ ثم كيف نُحكم؟ وتوارى السؤال الأعمق، كيف نفهم ماهية الشعب الذي نزعم قيادته، ونفكّ شيفرات وعيه وتطلعاته؟ ومع إعادة تدوير أدوات قديمة، الولاء، والمحاصصة، والإقصاء بواجهات جديدة توهم بالقطيعة مع الماضي، ظل الجوهر على حاله.. تواصل العادة فعلها الصامت، وأعيد تشكيل الواقع كما كان، وإن تغيّرت أسماؤه.
*لم يكن الشارعُ مجرّد فضاءٍ للاحتشاد، بل كان ضميراً حيّاً يتكلّم حين يصمت الجميع، وكانت الشعاراتُ لا تُلقى كأصداء عابرة، بل تُصاغ كميثاقٍ أخلاقي مُكثّف، حرية، سلام، وعدالة، معايير يُوزَن بها الفعل قبل القول، ويُختبر بها صدق المسار لا بريقه.. غير أنّ الخطة الخفية قلبت المعنى، فصارت القيم رموزاً مُعلّقة، تُستدعى عند الحاجة وتُؤجَّل عند الامتحان، حتى احتفظت الكلماتُ برنينها، وفقدت ثقلها في ميزان الواقع.
*لم يبدأ الانحراف فجأة، بل تسلل بخفة إلى مفاصل الثورة، يوم انفصلت القيادة عن القاعدة، وحين انزاح الفعلُ الثوري من التزام حيّ ينبض بالقيم، إلى خطابٍ تُوجّهه حسابات التكتيك لا ضمير العدالة.. هناك لم يعد الممكن يُقاس بما يُنصف الشعب، بل بما يُرضي توازناتٍ هشّة تُدار خلف الكواليس.. ومع تسلّل المصالح الضيّقة، خفَتَ صوت الفكرة إلى الهامش، فيما تقدّمت المصالح إلى الواجهة، تعيد تشكيل المشهد على صورتها، لا على ما حلمت به الثورة.
*لم يظهر الانحراف كتحوّل فجّ، بل كحركة خفية في تسويات صغيرة تبدو مقبولة لحظتها، لكنها، بتراكمها، نسجت من جديد خيوط الأزمة التي خرجت الثورة لتفكيكها.
*أسوأ اللحظات حين فقدت الثورة روحها، فتراجع الحلم إلى المصالح الضيقة.. حين اختزلت في حكومة، واختزلت الحكومة في وجوه وأسماء، وقدَّم الحفاظ على السلطة على صون المبادئ، تحوّلت الثورة من مشروع تغيير إلى مشروع بقاء، وضاع الحلم الأخلاقي بين حسابات القوة وظلال النفوذ.
*أحياناً، لا يُهزم الحلم بالعنف وحده، بل بانحرافه الصامت عن مساره. السؤال الذي يفرض نفسه ليس، لماذا فشلت الثورة؟ بل، متى بدأت تنحرف؟ فإدراك لحظة الانحراف هو الشرارة الأولى لتصحيح المسار. فالثورات لا تُهزم حين تفقد جوهرها وحسب، بل حين تتخلّى تدريجياً عن الأسباب التي أوجدتها، فتتحوّل من قوة حيّة تُحرّك الأمل إلى صدى باهت يكرّر الماضي بلا تجديد.
*ليست العودة إلى جوهرها مجرد حنين إلى الماضي، بل استعادة للبوصلة التي تحدد مسارها. فهي تعني استعادة المعايير التي انطلقت منها، واستدعاء لفكرة أن السياسة ليست إدارة مصالح فحسب، بل إدارة قيم وأن الشرعية لا تُستمد من التوافقات وحدها، بل من القدرة على تجسيد تطلعات الناس، وتحويل آمالهم إلى واقع حيّ يُكرّم كرامة الوطن ويصون أمله.
*السبيل لتجاوز الخطة الخفية لا يقتصر على كشفها، بل في صناعة وعي جديد يُعيد للثورة نبضها الحقيقي.. وعي يُدرك أن الثورة ليست لحظةً عابرة، بل مسارٌ مستمر؛ ليست شعارات تُرفع لتُنسى، بل مسؤوليات تُحتكم إليها في كل فعل. ليست ملكًا لجيلٍ أو نخبة، بل أفقٌ متسع لكل من يؤمن بأن الوطن يمكن أن يكون أفضل، وأن التغيير الحقيقي يبدأ بالفهم والعمل المشترك.
*حين نغوص في عمق ما حدث ونسبر حقيقة مسارنا، ندرك أن الحلم لم ينتهِ ولم يمت، بل توقف عند مفترق طرق ينتظر خيارنا. لم يعد السؤال مجرد استرجاع لما حدث، بل أصبح سؤال الفعل. أي طريق نختار اليوم لنحوّل الكرامة إلى واقع، والحرية إلى ممارسة حقيقية، والأمل إلى رؤية تُضيء المستقبل؟ هنا، عند المفترق يُكتب الفصل القادم، وليس لمن يختار الصمت مكان، بل لمن يملك الشجاعة والحكمة والإرادة ليعيد بناء الوطن ويُحيي الأمل من جذوره.