آخر الأخبار

إعلان العلمين… الجغرافيا تعيد ترتيب موازين الإقليم

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

 

*تسبق الجغرافيا السياسة أحياناً في كشف اتجاه التحولات الكبرى. واجتماع مصر والسودان وإريتريا والصومال في العلمين يرسم، قبل قراءة تفاصيل بيانه، صورة لإقليم يعاد ترتيب موازينه؛ أربع دول تتقاطع مصالحها عند البحر الأحمر والقرن الأفريقي ووادي النيل، في فضاء تتزاحم داخله الحروب والموانئ والقواعد العسكرية والمياه والتدخلات الخارجية ومشروعات النفوذ.

 

*من هذه الزاوية ينبغي قراءة (إعلان العلمين) الصادر عن القمة الرباعية في الرابع من أكتوبر.. فهو، رغم لغته الدبلوماسية الهادئة، يحمل إشارات تتجاوز التعاون بين أربع دول إلى محاولة بناء مساحة إقليمية مشتركة في مواجهة تحولات أصبحت أسرع من قدرة دول المنطقة على التعامل معها منفردة.. البحر الأحمر لم يعد ممراً مائياً بين قارّتين فحسب. إنه أحد ميادين التنافس الدولي والإقليمي الأكثر حساسية؛ تمر عبره التجارة العالمية والطاقة، وتتصل به قناة السويس وباب المندب وخليج عدن، وتطل عليه دول تعيش تفاوتاً كبيراً في القوة والاستقرار. وعلى ضفتيه تتقاطع مصالح قوى دولية وإقليمية، بينما أصبحت الموانئ والقواعد والاتفاقات الأمنية والاستثمارات الساحلية أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن الوجود العسكري المباشر.

*لهذا تبدو العبارة الواردة في الإعلان، بأن (حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة)، أكبر من مجرد مبدأ سياسي.. إنها تعبر عن تصور بشأن من ينبغي أن تكون له الكلمة الأساسية في صياغة ترتيبات البحر الأحمر، وتقول إن الدول المطلة عليه ينبغي أن تكون صاحبة الكلمة الأولى في أمنه ومستقبله، وألا تتحول شواطئه إلى مساحة مفتوحة تعيد القوى الخارجية هندستها وفق مصالحها.. وتظهر دلالة اجتماع مصر والسودان وإريتريا والصومال تحديداً في كون هذه الدول تمثل، بدرجات مختلفة، عقداً جغرافية متصلة في منظومة واحدة تبدأ من قناة السويس، وتعبر الساحل الغربي للبحر الأحمر، وتصل إلى باب المندب والقرن الأفريقي. وما يحدث في السودان يؤثر في أمن البحر الأحمر، وما يحدث في الصومال ينعكس على خليج عدن وباب المندب، وما يجري بين إريتريا وإثيوبيا يمتد أثره إلى الإقليم، كما أن ملف مياه النيل يربط الأمن المائي المصري والسوداني بمعادلات القرن الأفريقي.

*وتتسع دلالة العلمين لتشمل من جلس حول الطاولة ومن غاب عنها.. فإثيوبيا، بثقلها السكاني والسياسي وطموحاتها المرتبطة بالوصول إلى البحر، غابت عن الاجتماع، كما غابت قوى إقليمية أخرى بات لها حضور متزايد في موانئ القرن الأفريقي وسواحله وترتيباته الأمنية والاقتصادية. وهذا الغياب لا يعني بالضرورة أن القمة تشكلت في مواجهة أحد، لكنه يكشف أن الدول الأربع بدأت تبحث عن مساحة خاصة لتنسيق مصالحها في إقليم أصبحت فيه الجغرافيا نفسها موضع تنافس.. ولا يقتصر أثر الغياب الإثيوبي على شكل القمة؛ فمعظم الملفات التي تناولها إعلان العلمين تتقاطع، بطريقة أو أخرى، مع حسابات أديس أبابا. فقضايا الصومال وأرض الصومال، ومياه النيل، وإريتريا، والبحر الأحمر، والسودان، كلها تلامس دوائر أساسية في السياسة الإثيوبية. ولذلك فإن تأكيد الإعلان رفض الاعتراف بأرض الصومال، واحترام القانون الدولي في الأنهار العابرة للحدود، ورفض الإجراءات الأحادية التي تضر بالاستخدامات المائية القائمة لمصر والسودان، يجعل من الصعب قراءة القمة بعيداً عن التحولات الجارية في علاقة إثيوبيا بجوارها.

*ومن هنا أيضاً يمكن فهم الحضور القوي لمبدأ السيادة داخل الإعلان.. فالقمة رفضت التدخل في الشؤون الداخلية، ودعمت المؤسسات الوطنية، ورفضت الكيانات الموازية والمرتزقة، وأكدت وحدة السودان والصومال.. وهذه ليست قضايا منفصلة؛ إنها في جوهرها تعبير عن قلق واحد من تفكك الدولة الوطنية وتحول الإقليم إلى فضاء تتحرك داخله جماعات مسلحة وكيانات موازية وقوى خارجية عابرة للحدود.. وبالنسبة للسودان، تكتسب هذه اللغة أهمية خاصة.

*فالحديث الصريح عن دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض إنشاء أي كيانات موازية، والرفض الكامل لدعم المرتزقة، يلامس مباشرة جوهر الصراع السوداني الراهن. وهو يمنح الخرطوم سنداً إقليمياً لرؤيتها القائمة على أن التسوية السياسية ينبغي ألا تتحول إلى وسيلة لإضفاء شرعية على واقع عسكري موازٍ للدولة، أو تثبيت سلطات أمر واقع نشأت بفعل الحرب..

لكن الأهم أن الإعلان جمع بين دعم المؤسسات الوطنية وتشجيع عملية سياسية (بملكية وقيادة سودانية).. وهذه صياغة تستحق الانتباه؛ لأنها تضع السلام والسيادة في مسار واحد، وتفتح مساحة يمكن للسودان أن يتحرك داخلها دبلوماسياً في مواجهة أي تصورات خارجية تحاول صناعة مستقبل البلاد بعيداً عن الإرادة الوطنية.

*وهنا يبرز سؤال المستقبل: هل نحن أمام توافق ظرفي جمعته الأزمات، أم أمام بداية نواة إقليمية جديدة؟ من المبكر وصف الرباعية بأنها محور سياسي أو أمني مكتمل، فمصالح دولها ليست متطابقة، ولكل منها حساباته وعلاقاته الإقليمية والدولية. لكن المحاور لا تبدأ دائماً بإعلان قيامها؛ أحياناً تبدأ بتقاطع المخاوف، ثم تتطور المصالح المشتركة، ثم تنشأ آليات التنسيق. وما يستحق الانتباه في العلمين أن القمة لم تكتف بإعلان المواقف، وإنما أنشأت آلية لمتابعة مخرجاتها وقررت الانعقاد بصورة دورية وكلما استدعت الحاجة.. إذا استمرت الضغوط الحالية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فقد تتطور هذه الصيغة إلى تنسيق أكثر انتظاماً يشمل أمن الملاحة والموانئ والتجارة ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود، وربما بناء مواقف مشتركة تجاه الأزمات الإقليمية. وعندها لن تكون أهمية الرباعية في عدد أعضائها، وإنما في قدرتها على إنتاج موقف إقليمي من داخل المنطقة نفسها. وهنا يبدأ السؤال السوداني الحقيقي.

*فالسودان يمتلك ساحلاً ممتداً على البحر الأحمر وموقعاً يصل وادي النيل بالقرن الأفريقي والساحل الأفريقي، لكنه ظل طويلاً يتعامل مع هذه القيمة الجغرافية باعتبارها حقيقة على الخريطة أكثر من كونها مورداً للقوة الوطنية.. والحرب جعلت هذا الخلل أكثر خطورة؛ لأن الفراغات التي تتركها الدول في المناطق الاستراتيجية لا تبقى فارغة طويلاً.. والمطلوب، قبل قائمة الإجراءات، أن يحدد السودان ماذا يريد أن يكون في البحر الأحمر: دولة ساحلية تتلقى آثار الترتيبات الإقليمية، أم دولة محورية تشارك في صناعتها؟..الإجابة عن هذا السؤال هي التي ينبغي أن تحدد كيفية التعامل مع إعلان العلمين. فلا يكفي النظر إليه باعتباره انتصاراً دبلوماسياً ينتهي عند الترحيب به؛ المطلوب تحويل ما أتاحه من توافقات إلى سياسة.. ويبدأ ذلك ببناء استراتيجية سودانية متكاملة للبحر الأحمر، تربط الأمن بالموانئ والتجارة والاستثمار والعلاقات الخارجية، مع تنشيط التنسيق مع مصر وإريتريا والصومال، وتوسيع هذا التنسيق ليشمل بقية الدول المشاطئة للبحر الأحمر التي تتقاطع مصالحها مع استقراره. ويقتضي كذلك تحويل رفض الكيانات الموازية والمرتزقة إلى موقف دبلوماسي إقليمي أوسع، مدعوم بالوثائق والتحرك السياسي والقانوني، بالتوازي مع تقديم رؤية سودانية واضحة للعملية السياسية تحفظ وحدة الدولة وحصرية السلاح وسيادة المؤسسات.

*ويحتاج السودان، فوق ذلك، إلى إعادة بناء سياسته تجاه القرن الأفريقي من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة. فالعلاقة مع إثيوبيا وإريتريا والصومال وجنوب السودان ومصر لا ينبغي أن تدار باعتبارها ملفات منفصلة؛ لأنها أجزاء من بيئة أمن قومي واحدة، تتداخل فيها الحدود والمياه والموانئ والتجارة والجماعات المسلحة والتحالفات الإقليمية. وما يحتاجه السودان هو رؤية واحدة لهذه البيئة، تعرف أين تتقاطع مصالحه مع الآخرين، وأين تختلف، وما الأدوات التي يمتلكها لحماية موقعه بدلاً من الاكتفاء بالتأثر بما يصنعه الآخرون حوله.

*إعلان العلمين قد يكون مجرد بيان آخر يضاف إلى أرشيف القمم، وقد يكون بداية لتحول أوسع في طريقة إدارة دول المنطقة لمصالحها المشتركة. والفارق بين الاحتمالين ستصنعه قدرة الدول الأربع على تحويل الجغرافيا المشتركة إلى مصالح، والمصالح إلى سياسات، والسياسات إلى مؤسسات قادرة على البقاء ..أما بالنسبة للسودان، فالمسألة أكبر من قمة انعقدت وانتهت. إنها فرصة لإعادة اكتشاف موقعه في إقليم يعاد تشكيله أمام عينيه.. ففي البحر الأحمر والقرن الأفريقي لا تكفي الجغرافيا وحدها لصناعة النفوذ؛ الدولة التي لا تحوّل موقعها إلى استراتيجية، سيأتي الآخرون باستراتيجياتهم إلى موقعها.