
معبر ارقين وصفر الشمال
فنجان الصباح
أحمدع الوهاب
عزيزي المسافر رجاء (لا تبتسم فأنت في معبر ارقين) لو كان للفوضى جسم وكان للقلق والأرق والقذى والقذارة اسم لكان أرقين كافيا معنى ووزنا ومبنى
هنا دولة من الحر والغبار والعطش وصهد الصحراء والاهمال.. هنا لا وجود للظل لا مكان لراحة المسافرين لا مقاعد للمرضى والمعاقين ولا وجود لمبردات المياه. ولا دورات مياه ولا للوضوء وسمعت عن وجود مصلى ولكني لم اره ولو رأيته لما تمكنت ان أصلي فيه واترك متاعي في العراء.
*هنا دولة كاملة من التكاتك وستات الشاي السماسرة والكماسرة والرواكيب والحظائر المكدسة بالمهملات ثمة ٧ آلاف سنة هي الفارق الحضاري والانساني بين المعبر المصري المنظم.. وبين رصيفه السوداني الغارق في الفوضى واكياس البلاستيك والقذارة.. هناك على الجانب المصري يزرعون النخيل ويوطنون النظام وهنا يزرعون الاحساس بدولة كأنها بقايا فلول جيش ود النجومي عندما تم سحق كتلته الصلبة في توشكي.
*فقط يزرعون السموم والامراض والذهاب لقضاء الحاجة في العراء وصاحب الحاجة ارعن واشد رعونة منه المسؤول الذي اكتفى مشكورا بالجباية.
*من القاهرة وبكل سلاسة ويسر أوصلنا البص المصري إلى المعبروكان لزاما علي أن اتكبد عناء البحث عن البص السوداني المكلف بايصالنا إلى امدرمان وهكذا طفقت ابحث عن مكتب سفريات لبصات فضلت ان اسميها ( صفر الشمال) واسميها شركة من باب الدلع والتفاؤل فبينها وبين التسمية نصف سنة ضوئية.
*دلوني على صف من ترابي صدئة ومظلات نصفها من الكراتين والشوالات يختلط فيها الحابل بالنابل.. الهجير والذباب والغبار وصراخ السماسرة وعواء الكماسرة.
*بصعوبة بالغة وجدت مندوب الشركة.. الذي لم يكن له مظلة او تربيزة كأنما هبط مع إعصار صحراوي في هذه البقعة غير المباركة.. تركني في العراء وتحت الشمس في حرارة تزيد عن نصف درجة حرارة الغليان.. وابتلعته فوضي المعبر ثم عاد وبيده تذاكر من عهد توتو كورة ودون ان يكلف نفسه طلب منا البحث عن الباص وسط عشرات البصات المتهالكة.. وبصعوبة بالغة عثرت على البص وتحته يتمدد في يأس ولا مبالاة اثنان من منسوبي العفش.
*على هذه الحال من التعب والعطش والحر ظللت واقفا منذ منتصف النهار وحتى غروب الشمس وحافلة ( صفر الشمال) جاثمة هامدة بلا حراك..
ثم بدأت مرحلة أخرى من العذاب بإشراف صاحب الشركة بنفسه والذي ببركته تحولت الحافلة إلى شاحنة وعلى عين الدولة وسلطاتها الرسمية.. كان كلما تم حشو البص انفتحت شهيته أكثر و يقول( هل من مزيد؟)
ويأمر بإعادة تكديس العفش من جديد و إغلاق الباب الرئيسي للبص و تحويل المقاعد الخلفية مكبا للعفش من زكائب وحقائب وزنابيل وحمل ثقيل ثم أصدر الرجل توجيهاته رغم تذمر السائق بأن يتم ملء الممر من خلف السائق مباشرة إلى مؤخرة البص بالعفش.. وفي غضون ذلك كانت عمليات مفاصلة شرسة ومحاججة قاسية على قيمة ترحيل العفش تمضي على قدم وساق.. واخيرا جدا بدأت مرحلة تكديس الركاب فيما تبقى من مقاعد كان الوصول إلى بعضها يحتاج إلى رياضيين اولمبيين يشاركون في القفزواختراق الحواجز.
*ثم لملم المدير أمواله ومضى لا يلوي على شئ، فيما ظل البص خامدا هامدا كانه زنزانة متنقلة والركاب يبحثون عن نسمة هواء وبعد احتجاج الركاب قام السائق بإدارة المحرك وتشغيل التكييف لتبدأ رحلة المتاعب..
حيث لم يكد يمضي بعيدا حتى توقف في محطة وقود اخذت منه زمنا طويلا ثم مسك الطريق وادرع الصحراء في ليل بهيم وظلام دامس وكان في كل مرة يطفئ انوار البص الداخلية محولا البص إلى كهف متحرك ونفق مظلم
ثم فجأة بدأ الركاب يصرخون والسائق ممعن في سيره بينما النيران تشتعل في المحرك و كابينة الركاب تمتلئ بالدخان الاسود.
*وثمة من ينادي بسرعة للخروج قبل أن تصل النيران لغاز التكييف ان كان به غاز اصلا.. ولم يكن الخروج ممكنا الا من الباب الأمامي والذي دون الوصول اليه خرط القتاد لم يكن هناك بد من النجاة عبر النوافذ القليلة.
*واروع ما في الأمر أن الركاب اكتشفوا ان البص لم تكن به ولا طفاية حريق.. واحدة ولحسن الحظ وصلت عدة بصات ساهمت مع جهد الشباب و الركاب في اخماد النار بالتراب و باجهزة اطفاء في محاصرة النيران
ولكن المحرك كان قد راح في ٦٠ داهية.
*كنت مع مجموعة من المصابين من جراء التدافع ولذلك تبرع سائق بص تجاري مشكورا بايصالنا الى دنقلا ولم يتم تغيير الباص الا بعد نحو 15 ساعة ولم يكلف صاحب صفر الشمال نفسه بالسؤال عن المصابين ولا إيواء المنكوبين.. فقط جاء بعد زمن طويل ببص آخر افرغ فيه كل حمولة البص المنكوب من عفش وركاب.. وكان ايضا مكان الطفاية شاغرا في ذلك البص.
*من هنا أتقدم للسيد والي الولاية الشمالية ولمدير شرطة مرور الولاية بشكوى ضد هذه الشركة المستهترة بأرواح الناس كما أتقدم باقتراح بأن يتم السماح لهذه الشركات المسعورة بأن تستخدم ظهر البص كمكان إضافي للعفش حسب تصميم يراعي مطلوبات السلامة المرورية.. واما معبر أرقين السوداني فلا علاج له إلا بكنسه بالكامل وغسل مكانه ٧ مرات احداهن بتراب من خارج المعبر.