آخر الأخبار

عرب دارفور …حتمية استيعاب الدرس

  • د. مادبو حتما سيعود لمقولته(تصرفات حميدتي الخرقاء أدخلت الكيان العربي في أزمة وجودية)
  • مليشيا آل دقلو لما قضت وطرها من القبائل العربية حقنتها ب(مصل إعادة إنتاج الصراعات المميتة
  • لماذا سكتت قيادات عسكرية وسياسية ذات صلة بعرب دارفور على انحراف التمرد؟
  • تسليح القبائل ضرره اكثر من نفعه ويصعب تدراكه كخطأ استراتيجي
  • التجمع العربي بغرب السودان ومحاولات حثيثة للخروج من دائرة اضطراب الادوار

تقرير- دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
ثمة متغيرات كثيرة مرت على الحرب الماثلة الآن بالسودان بكل تعقيداتها وتداخلاتها وآثارها المادية والمعنوية والنفسية, ولعل هذه المتغيرات قد اسهمت منذ النصف الثاني من العام2024م في خارطة المعركة والتي تحولت بالكامل من الدعم السريع إلى الجيش السوداني في كل المناطق التي دخلتها المليشيا المتمردة في ولايات الخرطوم والنيل الأزرق و الجزيرة والنيل الأبيض حيث لعبت هذه المتغيرات الدور الأبرز في التحول الكبير فيه في موازين القوى ومنذ النصف الثاني من العام الماضي 2024م أصبحت هذه المتغيرات مرئية للجميع.
د. وليد مادبو والعودة للصواب:


لاشك أن هذه الحرب الماثلة آثارها قد اقحمت فيها بعض القبائل لاسيما العربية منها لأن قائد المليشيا قد بذل مساعي حثيثة من أجل ذلك فاستخدم سياسة العصا والجرزة مع زعماء وقيادات الإدارة الأهلية فقدم لهم المنح والعطايا المادية والعينية(عربات حديثة الموديل وعقارات وبيوت) والمادية التي تعد بالمليارات من الجنيهات أو ما يعادلها من عملات حرة خاصة الدولار, وقد استقبلت بعض القيادات الأهلية كل ذلك بفرحة غامرة, ومن تحفظ أو رفض فيستخدم معه قائد المليشا العصا لترويضهم, وقد وقف مك الجموعية موقفا مشرفا حيث أعاد العربة البوكس حديثة الموديل لقائد المليشيا ورجع مغاضبا بعد أن اكتشف مشروع حميدتي الاقصائي المرتبط باجندات خارجية غايتها النهائية هي سلب موارد البلاد, وقد وجدت دولة الإمارات العربية المتحدة ضالتها فيه لتنفيذ تلك الأجندات لذا سعى لاستقطات الكيانات الأهلية والمجتمعية مستغلا في ذلك المجموعات العربية باقليم دارفور حيث استخدم شبابها في حروباته وقودا لها وقد وجدت هذه الخطوة انتقادات شديدة من المشفقين على مستقبل التعايش السلمي والمجتمعي لأن الحرب الماثلة قد أدخلت القبائل العربية في حرج تاريخي مع بقية المجموعات السكانية الأخرى بعد أن ثبت أن بعضها مثل حواضن للتمرد.
وقد أطلق الدكتور وليد مادبو مع بدايات الحرب انتقادات لقائد المليشيا حيث قال بالحرف الواحد (لقد أدخل حميدتي بتصرفاته الخرقاء الكيان العربي في أزمة وجودية), في إشارة إلى أن المجموعات التي استعان بها حميدتي في حربه وتجاوزاتها وجرائمها قد شملت كل المجموعات السكانية في السودان مما سيحول البلاد لساحة اقتتال ثارية.
ولعل الدكتور الوليد مادبو وبعد أن خسر حميدتي الحرب أو كاد اأن يخسرها قد عاد لصوابه, وبعد حديثه أصبح ذاك أحد العقول التي تصنع للمليشيا مبررات ما تقوم به وقد آثار تصرفه المغامر لحديثه الأول عدة تساؤلات لم تجد الإجابة حتى الآن.
التسليح وعسكرة المجتمعات:
عسكرة المجتمعات خاصة ذات الأصول العربية في كردفان ودارفور والتي تعود لسنوات بعيدة خاصة عقد الثمانينات من القرن الماضي شكلت معادلا مهما للمليشيا إذ أنها وجدت فيها مآربها التي تبحث عنها وأدخلت الكثيرين من الذين أفرحتهم عسكرة المجتمعات في منظومة الدعم السريع.
وقد نبه بعض المهتمين بالشئون الاستراتيجية من مخاطر عسكرة المجتمعات باعتبار إنها ستكون في مقبل الأيام قاصمة ظهر للسودان والسودانيين, ولعل ما كتبه الأستاذ الراحل محمد أبو القاسم حاج حمد ,الذي قال في الفاتح من أغسطس2004م في مقولته الشهيرة (جنجويد دارفور وجيوبوتيك غرب السودان) وقد جاءت بنفس الرأي الدكتورة أماني الطويل الخبيرة الاستراتجية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية في ندوة بتاريخ السبت 25فبراير2023م أي قبل أربعين يوما من الحرب التي اندفعت في 15أبريل2023م حيث قالت(خمس سكان السودان بيدهم أسلحة متفاوتة الحجم والفاعلية) وقد جاء حديثها في سياق ندوة مركز الأهرام والدراسات الاستراتيجية بعنوان (تسليح المدنيين في السودان- حدود الظاهرة وأسبابه).
التجمع لا أخطاء ولكن:

ويرى بعض المحلليين ومن بينهم دكتور علي أحمد حقار في كتابه (البعد السياسي للصراعات المسلحة في دارفور) أن فكرة التجمع العربي في كردفان ودارفور (بغرب السودان) كانت بمثابة البحث عن أدوار جديدة وفقا لمعطيات الواقع من حيث الكتلة السكانية والأنشطة الاقتصادية فقدموا مذكرتهم الشهيرة للسيد رئيس الوزراء الأسبق الإمام الراحل الصادق المهدي وقد استفادت مليشيا الدعم السريع المتمردة من فحوى تلك المذكرة ومنظريها في التمهيد لمشروعها الاقصائي, كما استفاد بعض قيادات التجمع العربي من تسويق أنفسهم للمليشيا فمنهم من أعلن ولادءه لها مباشرة كنائب رئيس الجمهورية الأسبق حسبو محمد عبدالرحمن ومنهم من بقى ما بين بين, ولكن السؤال الذي يفرض نفسه, لماذا سكتت القيادات العسكرية والسياسية ذات الصلة ب(عرب دارفور وكردفان) على انحرافات التمرد بكل تفاصيلها, وقد برر بعض المحللين ذلك بأنه محاولة منها للخروج من دائرة (اضطراب الأدوار) والتي لازمت نشأة وتكوين التجمع العربي التي كانت فكرته المركزية مع المليشيا هي (خلق الحروبات في دارفور وكل حزام السافنا ثم حكم السودان)
استيعاب الدرس:
الدكتور شريف حرير أستاذ علم الاجتماع السابق بجامعة الخرطوم قد دعا من خلال دراسات له عن الصراعات الإثنية في دارفور إلى ضرورة أن تكون القبائل العربية قد استوعبت الدرس نتيجة التجاوزات السابقة لها التي تماثل التجاوزات التي حدثت في الحرب الماثلة الآن من بعض منتسبي القبائل العربية.
وقد حمل الدكتور حرير المسئولية لأطراف الصراع مجتمعة ولو من باب المسئولية الجزئية حيث قال: (نظرة كل جانب للآخر بأنه هو سبب الصراع إذ يرى كل طرف بأنه ضحية للصراع).
التسليح ضرره أكثر من نفعه:
المتابعون لمخاطر تسليح القبائل العربية بكردفان ودارفور ينظرون بعين الاعتبارإلى القضية باعتبارها ضررها أكثر من نفعها, وقد عبر عدد من السياسيين عن عدم ارتياح لهذه الخطوة, بل أن بعضهم قد خرج على حزبه كحالة نواب الجبهة الإسلامية الثلاثة الذين خرجوا عليها وانضموا للحرب الاتحادي الديمقراطي بعد أن تحالف حزبا الأمة القومي والجبهة الإسلامية وانتوا مشروع تسليح القبائل العربية, حيث طالع المطلعون لصحيفة البيان الإماراتية يوم 9يناير 1989م خبر انضمام الدكتور فاروق محمد آدم عن دوائر الخريجين والأستاذ عبد الجبار آدم عبدالكريم عن دائرة قاسيلا بغرب دارفور والأستاذ إبراهيم أبكر هاشم عن دائرة كلبس بغرب دارفور إلى الحزب الاتحادي الديمقراطي باعتبار أن الجبهة الإسلامية قد تخلت عن خطها في الدفاع عن كل مكونات إقليم دارفور لأنها مع حزب الأمة اتفقت على تسليح العرب لمواجهة المكونات الأخرى.
المليشيا قضت وطرها:


خلاصة القول أن مليشيا التمرد من خلال مشروعها الذي خاضت بسببه الحرب قد ورطت القبائل العربية في كردفان ودارفور وبعد أن قضت (وطرها) وخسرت الحرب او كادت تخسرها قد حقنا المجموعات العربية بمصل تجدد الصراعات المميتة وما الذي حدث في الأسابيع الماضية بين بطون قبيلة المسيرية الفلايته في الفولة بولاية غرب كردفان من نذر مواجهات وبين ماحدث بين المهارية أحد بطون قبيلة الرزيقات مع قبيلة المسيرية الفلايته على خلفية مقتل ناظر الفلايتة عبدالمنعم موسى الشوين ونجله موسى بمدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور, ولعل مثل هذه الصراعات تؤكد خطأ تسليح القبائل العربية الذي يصعب تداركه.