السودان بين الصمت الإقليمي والمصالح الدولية
د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب
تشهد مدينة الفاشر، حاضرة إقليم دارفور، أحداثًا مأساوية تمثل إحدى أخطر مراحل الصراع في السودان، حيث تعرضت المدينة لحصارٍ وقصفٍ وقتل ممنهج وسط انهيارٍ إنساني متسارع، في ظل غيابٍ شبه تام لمواقف حازمة من المحيطين الإقليمي والعربي. ويثير هذا الصمت تساؤلات عميقة حول دور دول الجوار الإفريقي والدول العربية والإسلامية إزاء أزمة تتجاوز الحدود السودانية، لتشكل تهديدًا حقيقيًا لاستقرار الإقليم بأسره.
إن موقف دول الجوار الإفريقي يثير علامات استفهام عديدة، فالقارة التي أنشأت اتحادها الإفريقي لتكون مظلة للتضامن والدفاع المشترك، تقف اليوم متفرجة أمام مأساة إنسانية تضرب إحدى دولها الأساسية. فغياب التحرك الجاد من الدول المجاورة، سواء عبر الوساطة أو الضغط السياسي أو المساعدات الإنسانية، يعكس ضعف المنظومة الإفريقية في مواجهة النزاعات الداخلية ذات الطابع الإقليمي، ويؤكد أن مبادئ “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية” ما زالت بعيدة عن التطبيق العملي.
أما الموقف العربي والإسلامي، فهو لا يقل إثارة للدهشة. فالسودان ظل عبر تاريخه مشاركًا فاعلًا في القضايا العربية والإسلامية، وداعمًا لجهود التضامن الإنساني في أوقات الأزمات. غير أن الموقف الحالي من بعض الدول العربية يتسم بالتحفظ أو الحياد السلبي، في حين تُقدَّم مواقف رمزية لا ترتقي إلى مستوى خطورة ما يجري على الأرض. هذا الغياب العربي لا يعبّر فقط عن فتورٍ دبلوماسي، بل يكشف أيضًا عن اختلالٍ في مفهوم الأمن القومي المشترك، الذي يجب أن يشمل حماية السودان كجزء أصيل من المنظومة العربية والإسلامية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل دور القوى الغربية التي تبدو أكثر انحيازًا في تعاطيها مع الأزمة، إذ تقدم دعمًا غير مباشر للأطراف المهددة لوحدة السودان واستقراره، تحت ذرائع إنسانية أو سياسية. ويتضح أن المصالح الاقتصادية والسياسية لتلك القوى ما زالت هي المحرك الأساس لمواقفها، بينما تُهمَّش الاعتبارات الإنسانية والالتزامات الأخلاقية في مواجهة واقع مأساوي يزداد تعقيدًا يوماً بعد آخر.
إن ما يحدث في السودان اليوم ليس شأنًا داخليًا بحتًا، بل قضية إقليمية ودولية بامتياز، تمسّ الأمن الجماعي لدول إفريقيا والعالم العربي على حد سواء. فاستمرار الصراع في دارفور واتساع رقعته يشكل خطرًا على الأمن الإقليمي، ويزيد من احتمالات النزوح، والتسلل، وانتشار السلاح عبر الحدود، ما يجعل مسؤولية التدخل العاجل واجبًا سياسيًا وإنسانيًا لا يحتمل التأجيل.
ورغم كل ذلك، يبقى الشعب السوداني مثالًا في الصمود والثبات. فقد واجه التحديات عبر تاريخه بإرادة لا تلين، مؤمنًا بأن الكرامة الوطنية لا تُستجدى من الخارج، وأن النصر الحقيقي يُصنع بإرادة الشعوب لا بقرارات المؤتمرات. لذا فإن المطلوب اليوم ليس التعاطف العاطفي، بل تحرك عملي يعيد التوازن للمشهد، ويثبت أن المنظومة الإقليمية ما زالت قادرة على حماية أحد أركانها الأساسية.
إن صمت العالم عن مأساة الفاشر لن يُمحى من ذاكرة التاريخ، وسيبقى اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الدول الإفريقية والعربية والإسلامية بمبادئ التضامن الإنساني والعدالة. فالسودان لا يطلب عونًا مجانيًا، بل يطالب فقط بموقفٍ أخلاقي ومسؤول يُعيد للضمير العالمي بعضًا من صداه المفقود.
د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب
omkhaledsaeed@gmail.com
جامعة كرري
رئيس هيئة تحرير المجلة السودانية للتوفيق والتحكيم
المركز السوداني للتوفيق والتحكيم