
النيران الصديقة في الإعلام السوداني.. حين يقتل (الدب) صاحبه
عمرو خان
*في المشهد الإعلامي السوداني الراهن، تتزايد الأخطاء التحريرية الصعبة في بعض المواقع الإخبارية بصورة تدعو للدهشة، حتى ليبدو الأمر أحيانًا كأن الإعلام يوجّه نيرانه إلى نفسه.. فبدل أن يكون وسيلة للوعي وبناء الثقة، يتحول أحيانًا إلى مصدر للارتباك والتشويش، سواء نتيجة الضعف المهني أو بسبب دوافع أكثر خطورة تتصل بالتضليل المتعمد.
*إن ما نراه اليوم هو صورة من صور النيران الصديقة، أو ما يشبه أسطورة الدب الذي قتل صاحبه بحسن نية. *فهناك صحفيون ومحررون يفتقرون إلى الخبرة المهنية اللازمة في التعامل مع الأخبار ذات الحساسية العالية، فينقلون المعلومات دون تدقيق أو تأكد من المصادر الرسمية، مما يفتح الباب واسعًا أمام الشائعات وسوء الفهم.. ومع الأسف، فإن هذه الأخطاء – وإن بدت عفوية – قد تتحول إلى سلاح يضرب مصداقية الصحافة السودانية في مقتل.
*لكن الأخطر من ذلك، أن تكون مثل هذه الأخطاء مقصودة وممنهجة، ضمن ما يمكن تسميته بـ(الإعلام المعادي المضلل).. هذا النوع من الإعلام لا يخطئ عبثًا، بل يخطط لهدم الثقة بين الشعب والدولة، وتشويه صورة المؤسسات الوطنية عبر بث الأخبار غير الدقيقة في لحظات حساسة.. وهنا لا يعود الخطأ مهنيًا فقط، بل يتحول إلى عمل عدائي يتجاوز حدود حرية التعبير إلى حدود التأثير على الأمن الوطني والمعنوي.
*ولعل أبرز مثال على ذلك، ما حدث مؤخرًا خلال اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.. فقبل انتهاء الاجتماع بساعات، سارعت بعض المواقع الإلكترونية إلى نشر خبر يفيد بأن المجلس وافق على المقترح الأمريكي بقبول هدنة لمدة تسعة أشهر، الأمر الذي انتشر بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي وأثار موجة من الغضب الشعبي.. وبعد انتهاء الاجتماع، تبيّن أن المجلس لم يُصدر أي بيان رسمي بشأن المقترح الأمريكي، ما جعل تلك المواقع في موقف محرج أمام قرائها والرأي العام.
إن ما جرى يكشف أزمة مزدوجة: أزمة مهنية تعكس غياب التدريب التحريري والوعي بالمسؤولية، وأزمة ثقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور.. فالإعلام، في جوهره، ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أداة لتشكيل الوعي الجمعي وحماية المجتمع من التضليل. وعندما يفقد الإعلام بوصلته المهنية، يصبح كالسفينة التي تهيم في بحر الأخبار دون ربان.
*إن إصلاح هذا الواقع لا يتم بالتنديد فقط، بل بخلق بيئة مهنية تقوم على التدريب المستمر، والالتزام بميثاق الشرف الصحفي، وتفعيل أدوات الرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية نفسها. فالمهنية ليست شعارًا يُرفع، بل مسؤولية يومية تُمارس. والإعلام الحر لا يعني إعلامًا منفلتًا، بل إعلامًا واعيًا يدرك أن الكلمة أمانة، وأن الخطأ في نقل الخبر قد يقتل الحقيقة كما يقتل (الدب) صاحبه دون قصد.
*صحفي وكاتب مصري