آخر الأخبار

العدوان والعدوان المضاد في الحرب الأمريكية الإيران وأثره على دول الخليج

الدكتور محمد الزين محمد
*تعتبر الحرب التي شنتّها الولايات المتحدة الامريكية (الغضب الملحمي) و إسرائيل (زئير الاسد) على إيران (الوعد الصادق 4)، والتي إندلعت في صباح السبت 28 فبراير 2026 ، من أكثر الحروب تعقيدا و إنتشارا ما بعد الحرب العالمية الثانية. حيث كانت الأهداف المعلنة لهذه الحرب من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الامريكية، هى تدمير المشروع النووي والصاروخي الإيراني ومن ثم إسقاط نظام الحكم في طهران، وذلك خلال ضربات إستباقية خاطفة تستغرق أيام معدودة في الأراضي الإيرانية فقط، و لكن الحرب مازالت تدور رحاها في الشرق الأوسط والخليج، وشملت رقعة واسعة في كل من إيران و إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، قطر، السعودية، الكويت، البحرين، عٌمان، الإمارات، سوريا، العراق، الأردن، تركيا، وفي يوم 28 مارس بدأت صواريخ جماعة الحوثيين (اليمن) تنطلق من مواقعها الى إسرائيل، وعليه أتسعت الحرب لتشمل 15 دولة كأطراف مباشرة.
*في ضوء ما تقدم، تعتبر وضعية هذه الحرب في غاية التعقيد، الأمر الذي يقتضي الكتابة والبحث والتوثيق في مجالاتها المتعددة العسكرية والأمنية ، السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، والبيئية، ولأهمية المجال القانوني ونطاقه الواسع خاصة القانون الدولي وأفرعه المتعددة والمتنوعة، من جهة أخرى، رأيت أهمية أن أكتب في تعقيداتها القانونية تحت عنوان (العدوان والعدوان المضاد بين المشروعية والشرعية في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وأثره على دول الخليج، وأقصد بالعدوان هنا، قيام شخص ما في وضع يتيح له التحكم بالفعل في العمل السياسي أو العسكري للدولة أو توجيهه بتخطيط أو إعداد أو شن أو تنفيذ عمل عدواني من شأنه، بحكم خصائصه وخطورته ونطاقه، أن يعد أنتهاكا واضحا لميثاق الأمم المتحدة، ويعني بالعمل العدواني إستعمال القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو إستقلالها السياسي،أو بأيّ صورة أخرى تتنافي مع ميثاق الأمم المتحدة، ولا يكون عدوان إذا كان بتفويض دولي أو بقرار من مجلس الامن الدولي. وفي ذات السياق لابد من توضيح ما المقصود بالعدوان المضاد وشروط (الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة)، وماهى ضوابط رد العدوان وشروطه كالضرورة والتناسب و أن لا يستهدف الرد المدنيين أو منشآت مدنية، وحتى لا يكون عدوان جديد يؤدي إلى تعقيد وتصعيد الحرب و إتساع رقعتها.
*يثير هذا المقال إشكالية المشروعية و شرعية حرب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران، ونقصد بالمشروعية القانونية (التوافق مع القانون الدولي) والشرعية السياسية (المسوغات الإنسانية والأخلاقية) للحفاظ على السلم والأمن القومي لإسرائيل وكذلك للولايات المتحدة الأمريكية وايضا للمعمورة. في سياق هذا الطرح، ومن جانب آخر هناك إشكالية التسيس والمعايير المزدوجة في السياسة الدولية، فالعدوان يظل عدواناً اذا خالف القانون الدولي مهما كانت مبرراته، والدفاع عن النفس حق ولكنه مقيد بشروط صارمة مثل الضرورة والتناسب، و إلا يبقى عدوانًا ايضاً مما يستوجب تعويض المتضررين من حكوماتٍ وشعوبٍ
إنطلاقا من هذا الإطار، يٌطرح مفهوم الدفاع الإستباقي عن النفس كمحاولة إضافة شرعية سياسية للهجمات من دولة لأخرى، و أيضاً يندرج المفهوم تحت بند المسؤولية الدولية، حتى ولو كانت الهجمات عن طريق جهات غير دولية (الحرب بالوكالة) مثل (حزب الله في لبنان، الحشد الشعبي في العراق، الحوثيين في اليمن، هيئة أنصار التوحيد و أجناد بيت المقدس في سوريا)، حيث تظل تلك الدول الراعية والداعمة لهذه المليشيات مسؤولة عن أعمال تلك المليشيات والجماعات المسلحة. وبطبيعة الحال، تتحمل الدول المعتدية أو الداعمة للوكلاء المسؤولية القانونية عن أضرار الحرب، خاصة أذا ثبت التحكم الفعلي في الوكلاء.
*وبالنظر إلى ما تقدم، نجد أن وجود القواعد العسكرية الأمريكية من أهم أسباب إتساع دائرة الحرب لتشمل دول
الخليج، وفقا لإتفاقياتStatus of Forces Agreements SOFAوهي قواعد عسكرية لقوات مستضافة وفقا لإتفاقية مع الدولة الضيفة وفق شروط وصلاحيات و إختصاصات، ولكنها لا تعفي بالكامل من المسؤولية الدولية والجنائية للدولة المضيفة، لكنها تحدّد وتقيّد بشكل واضح من يتحمل المسؤولية القانونية في حالات معينة، كما تحتوي تلك الاتفاقيات على بنود سرية ولكن في إطارها العام متعلقة بالإختصاص القضائي، و الحصانة الوظيفية،والمطالبات والتعويضات، والحماية السياسية والدبلوماسية وغيرها، وينعكس ذلك على مسؤولية الدولة المضيفة.. فإذا قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإستخدام القاعدة العسكرية في أعمال إستخباراتية أو شنت هجوم عسكري على أهداف ضد إيران (مدنية او عسكرية)،أو إنتقال الجنود الأمريكان من ثكناتهم العسكرية الى فنادق أو منازل في أحياء سكنية (مدنية) ولكن ظل هؤلاء الجنود يزاولون ويمارسون أعمالهم العسكرية القتالية ، في هذه الحالة تعتبر مواقعهم السكنية جزءاً من الأهداف العسكرية العدائية، لأنها تُستخدم في عمليات قتالية، ودعم مباشر للهجمات، كل ذلك يٌعرض الدولة المضيفة أن تكون هدفا عسكريا مشروعاً، ولكن حتى لو كانت هذه الفنادق أو المنازل هدفًا مشروعًا، يجب على الدولة المدافعة الإلتزام بـمبدأ التمييز، ويجب إستهداف الأهداف العسكرية فقط، وليس إستهداف المدنيين أو الأعيان المدنية أو البِنيات التحتية للدولة المضيفة. أما المبدأ الثاني فهو التناسب بمعنى عدم جواز تنفيذ أي هجوم إذا كان الأضرار مدنية، لأنها ستكون مفرطة مقارنة بالهدف العسكري، والمبدأ الثالث هو الضرورة العسكرية، وهو شرط وجوبي أي أن يكون الهجوم ضروريًا لتحقيق هدف عسكري حقيقي، وفي حالة عدم الإلتزام بما ذٌكر يحق للدولة المضيفة أن تطالب بتعويض عن تلك الأضرار في الأرواح أو الممتلكات.
*أفرزت الحرب الراهنة مهددات كبرى على الأمن الإقليمي والدولي ولم تكن في حسبان العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران والمتمثلة في الطاقة، ومضيق هرمز و حرية الملاحة البحرية، وإستهداف ناقلات النفط، كل تلك الوقائع تجعل القانون الدولي أمام إختبار في توصيف الأفعال، هل هى عدوانا مسلح لكي يبرر الدفاع عن النفس. ومن خلال تحليل واقع موازين القوى في النظام الدولي والكشف عن الفجوة بين مثالية القانون و براغماتية السياسة، وهو الجزء الذي يفسر لماذا تطبق القواعد الدولية بحزم في حالات معينة وتعطل في حالات أخرى، بمعنى إزدواجية المعايير و التي تسببت في ضعف الثقة بالقانون الدولي وفي مؤسسات الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن الدولي، مما يقودنا الى محاولة تقديم رؤية إستشرافية لإعادة بناء المنظمة الدولية وفق إصلاح دولي لتحقيق العدالة الدولية، والتحول من قانون القوة الى قوة القانون، حتى نفهم إشكالية العدوان والعدوان المضاد من خلال التداخل في العلاقة ما بين القانون والسياسة في العلاقات الدولية.
*وفي الخاتمة، أؤكد عدم إستحالة إمكانية وقف الحرب، وتحقيق الأمن والسلام والإستقرار في المنطقة، و أقترح أن يتم ذلك من خلال حوار إستراتيجي بين كافة الأطراف وفق تفاوض سياسي مباشر أو عبر وسطاء محايدين، كما يعمل الحوار على تعزيز آليات الرقابة الدولية وليس تسلط دول معينة تكون بمثابة الحكم والخصم. وهذا يقتضي بالضرورة في دمج الحلول السياسية مع الإجراءات القانونية.. وهذه الحلول، لا تنتقص من حق الدول المتضررة من الحرب أن تلجأ الى المحاكم الدولية لتعويض الأضرار (خاصة بالدولة او المواطنيين). و تأسيسا على ما تقدم، يمكن القول أن إنهاء الحرب وتحقيق السلام والإستقرار في المنطقة، يفرض على المجتمع الدولي مساءلة واضحة للدول التي تخرق القانون الدولي، مع توفير دعم للآليات الإقليمية والدولية للحوار والوساطة، من أجل تحقيق توازن بين المشروعية القانونية والشرعية السياسية، ليصبح بموجبه الأمن الإقليمي ممكناً و مستداماً
*محامي سوداني عن ضحايا الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية و مستشار قانوني أمام محكمة العدل الدولية