
العلاقات السودانية المصرية…نداء إنساني لتعزيز مسارات علاج المرضى السودانيين في مصر (1-5)
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبلٍ واعد
د. مزمل سليمان حمد
*لم تعد رحلة السودانيين إلى جمهورية مصر العربية طلبًا للعلاج مجرد انتقالٍ جغرافي بين بلدين شقيقين، بل أضحت في ظل التحولات العاصفة التي أعقبت حرب أبريل 2023 اختبارًا حقيقيًا لعمق العلاقات الإنسانية والتاريخية بين الشعبين. إنها رحلة تبدأ بالألم، لكنها في وجدان السودانيين ترتبط بالأمل… أملٍ يجد جذوره في مصر، الدولة التي ظلّت على مرّ التاريخ ملاذًا وسندًا وامتدادًا طبيعيًا للسودان.
*فالعلاقة بين السودان ومصر ليست علاقة حدودٍ سياسية أو مصالح آنية، بل هي نسيجٌ ممتد من التاريخ المشترك، ووحدة الجغرافيا، وتشابك المصير. من ضفاف النيل التي لم تعرف يومًا انفصالًا حقيقيًا، إلى الروابط الاجتماعية والثقافية التي صهرت الشعبين في وجدانٍ واحد، ظلّت مصر حاضنةً للسودانيين في مختلف المحن، وكان آخرها تداعيات الحرب التي دفعت بآلاف الأسر السودانية إلى البحث عن الأمان والعلاج والحياة الكريمة.
*وفي هذا السياق، يبرز ملف المرضى السودانيين كأحد أكثر الملفات إلحاحًا وحساسية، حيث يتقاطع فيه البعد الإنساني مع الإجرائي، وتتجلى فيه الحاجة إلى مراجعة عميقة تواكب طبيعة المرحلة. فالمريض السوداني الذي تصدر بحقه توصية طبية عاجلة للعلاج خارج البلاد، لا يملك ترف الانتظار، ولا يحتمل جسده المرهق تعقيدات الإجراءات أو بطء المسارات.
*إن ما نشهده اليوم من معاناة متكررة لهؤلاء المرضى – بدءًا من إعتماد التقارير الطبية، مرورًا برحلة الوصول إلى بورتسودان، وانتهاءً بإجراءات القنصلية – يكشف عن فجوة حقيقية بين الحاجة الإنسانية العاجلة، والآليات الإجرائية القائمة. فطوابير الانتظار، والاعتماد على قوائم تسجيل إلكترونية محدودة، وغياب سقف زمني واضح للرد، كلها عوامل تجعل من رحلة العلاج معاناة إضافية، قد تكون في بعض الحالات أكثر قسوة من المرض نفسه.
*ورغم ذلك، لا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال الدور الكبير الذي قامت به مصر، قيادةً وشعبًا، في استقبال السودانيين والتخفيف من معاناتهم. فقد فتحت مصر أبوابها في لحظة تاريخية معقدة، واستوعبت أعدادًا كبيرة من السودانيين، وقدّمت نموذجًا يُحتذى في التضامن الإنساني، رغم ما تواجهه هي ذاتها من تحديات اقتصادية وضغوط إقليمية.
*غير أن عظمة المواقف لا تعني الجمود عندها، بل تستدعي البناء عليها وتطويرها بما يواكب المتغيرات.. فاليوم، ومع انحسار نسبي لحدة العمليات العسكرية في السودان، تبرز الحاجة إلى إعادة تقييم بعض الإجراءات، خاصة ما يتعلق بملف التأشيرات للحالات الإنسانية، وعلى رأسها المرضى.
*إن التأكيد على الحق السيادي لجمهورية مصر العربية في تنظيم دخول الأجانب إلى أراضيها هو أمر ثابت لا نقاش فيه، بل هو ركنٌ أصيل من أركان الدولة.. لكن في المقابل، فإن خصوصية العلاقة السودانية المصرية، وطبيعة الظرف الإنساني الاستثنائي الذي يعيشه السودان، تفتح الباب أمام مقاربات أكثر مرونة وفعالية، خاصة فيما يتعلق بالحالات الحرجة.
*ومن هنا، فإن الدعوة الصادقة تتجه إلى القيادة المصرية، ممثلة في فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ودولة رئيس مجلس الوزراء، والسيد وزير الخارجية، والسيد مدير مصلحة الجوازات في مصر، للنظر بعين الاعتبار إلى هذا الملف الحيوي، والعمل على تطوير آليات استثنائية وسريعة تضمن انسياب إجراءات المرضى السودانيين بصورة تحفظ كرامتهم وتراعي ظروفهم الصحية.
*إن المطلوب ليس استثناءً خارج إطار القانون، بل تفعيلٌ ذكي ومرن للقانون ذاته، من خلال إنشاء مسارات إنسانية واضحة، تُعطي الأولوية للحالات المرضية، وتحدد أطرًا زمنية ملزمة للبت في الطلبات، وتُنشئ قنوات مباشرة وشفافة للتقديم والمتابعة، بما يُغلق الباب أمام أي ممارسات غير قانونية أو استغلال لحاجة المرضى.
*كما أن في ذلك مصلحة مشتركة، إذ إن السودانيين الذين يقصدون مصر للعلاج يسهمون في دعم قطاعها الطبي والاقتصادي عبر ما ينفقونه من عملات أجنبية، فضلًا عن تعزيز مكانة مصر كوجهة علاجية رائدة في الإقليم. وفي المقابل، فإن تعقيد الإجراءات قد يدفع البعض إلى البحث عن بدائل في دول أخرى، رغم ما تحمله مصر من ميزات جغرافية وإنسانية يصعب تعويضها.
*إن التحدي الحقيقي ليس في وجود الإجراءات، بل في كيفية إدارتها بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن وضرورات الإنسان. فحين يُترك المرضى في دوائر الانتظار المفتوح، تتسع مساحات المعاناة، وتظهر ظواهر سلبية كالسماسرة والهجرة غير الآمنة، بما يحمله ذلك من مخاطر لا تهدد الأفراد فحسب، بل تمس استقرار النسيج الإقليمي بأسره.
*وفي خضم كل ذلك، تبقى الحقيقة الكبرى أن العلاقات السودانية المصرية أكبر من أي أزمة عابرة، وأعمق من أن تختزل في إجراء أو قرار.. إنها علاقة قادرة، إذا ما أُحسن توظيفها، أن تتحول إلى نموذج متكامل للتعاون الإنساني والتنموي، يبدأ من إنقاذ مريض، ولا ينتهي عند بناء شراكة استراتيجية شاملة.
*إن إنقاذ المرضى السودانيين ليس مجرد مطلب إنساني عاجل، بل هو أيضًا تعبير صادق عن روح هذه العلاقة الأزلية، وتجسيد عملي لقيم الأخوة التي لم تنقطع يومًا بين ضفتي النيل.
*أنقذوا مرضى السودان… وفاءً للتاريخ، وانتصارًا للإنسان، وبناءً لمستقبلٍ يليق بالشعبين.