آخر الأخبار

إهمال  الساحل ..تهديد مباشر للسيادة السودانية

همس وجهر

ناهد اوشي

 

*المهندس الشاب عصام الدين أبوزيد دفع إلى بريد (الهمس والجهر) بقضية في غاية الأهمية وملف اقتصادي وسيادي شائك يغض الكثيرون الطرف عنه وعن تداوله حتى في المجالس الخاصة ..فالسواحل السودانية قضية مهمة تطرق اليها في المقال التالي:

*ليس صحيحًا أن أزمة السودان على البحر الأحمر هي مجرد أزمة موانئ متأخرة أو بنية تحتية ضعيفة.. هذا توصيف ناقص بل ومضلل أحيانًا

فالموانئ، على أهميتها، ليست أصل المشكلة، وإنما أحد تجلياتها الأزمة في جوهرها أعمق من ذلك بكثير.

*نحن أمام خلل ممتد في فهم الدولة السودانية لمعنى الساحل نفسه ..هل هو مجرد شريط رملي ينتهي عنده اليابس، أم أنه نطاق سيادة ممتد، تتداخل فيه الأرض بالبحر، والجزر بالمياه الإقليمية، والمحميات الطبيعية بالموارد الكامنة، والممرات البحرية بالاقتصاد الوطني؟.

*من هذه الزاوية وحدها يمكن فهم العلاقة بين المدن التي تقع علي الساحل  وبين الجزر السودانية المنتشرة في البحر الأحمر، والمحميات البحرية، والموانئ المعطلة، والتجارة المتعثرة، والسيادة المهددة.

*فهذه ليست ملفات منفصلة كما قد تبدو، بل أجزاء من معادلة واحدة إما حضور سيادي متكامل أو فراغ يتسع لغيرك.

*لقد ظل السودان، لعقود طويلة، يمتلك واحدًا من أهم السواحل في الإقليم، دون أن يتحول هذا الساحل إلى مشروع دولة.

 

*أكثر من سبعمائة كيلومتر على البحر الأحمر، لا تمثل مجرد امتداد جغرافي، بل تمثل منظومة كاملة ساحل، وجزر، ومياه إقليمية، ومنطقة اقتصادية خالصة، وموارد بحرية، وممر ملاحي عالمي، وموقع يتوسط المسافة بين قناة السويس وباب المندب.

*لكن هذا الامتداد، بكل ما يحمله من قيمة، ظل في الوعي الإداري أقرب إلى (هامش جغرافي)، لا إلى (مركز قوة) ومن هنا بدأ الخلل حين تغيب التنمية عن الساحل، يضعف الوجود وحين يضعف الوجود، تتقدم الأطماع وحين تتقدم الأطماع بلا ردع سياسي وقانوني وتنموي، تتحول الجغرافيا من ميزة استراتيجية إلى منطقة رخوة قابلة للاختراق.

*وهذا ما حدث، تدريجيًا، في أجزاء واسعة من الساحل السوداني، خصوصًا في الشمال مناطق كاملة بقيت خارج أولويات التعمير والربط والبناء المؤسسي ..ساحل بلا كثافة سكانية كافية، بلا بنية تحتية متماسكة، بلا حضور اقتصادي حقيقي، وبلا إدارة تُحوّل المكان إلى قيمة وطنية مستمرة.

*الخطأ الاستراتيجي كان في اختزال القضية في (تطوير الميناء)، بينما تُرك الساحل نفسه خارج المعادلة ولهذا بقيت الموانئ، رغم وجودها، تعمل كـ (نقاط خروج)، لا كـ (مراكز قوة)

ولعل أخطر ما في المشهد هو غياب الرؤية البحرية للدولة.

*لم يُبنَ تصور وطني لما يُعرف في العالم بـ (الاستراتيجية البحرية)، ولا لما يسمى بـ (الاقتصاد الأزرق)

رغم أن السودان يقع في قلب واحد من أهم المسارات البحرية عالميًا، إلا أن هذا الموقع لم يتحول إلى نفوذ، ولا إلى شبكة مصالح، ولا إلى قوة اقتصادية متراكمة.

*ثم تأتي الحلقة الأكثر خطورة: غياب الربط الساحل لم يُربط بعمقه الطبيعي لم تُنشأ ممرات لوجستية حقيقية تربط البحر بغرب السودان، ولا بامتداده نحو تشاد وأفريقيا الوسطى لم تُبنَ مناطق حرة فاعلة، ولا منظومات تصنيع وتخزين، ولا سلاسل قيمة مضافة.

 

*فبقيت الصادرات تخرج خامًا،

وبقيت الكلفة اللوجستية مرتفعة،وبقي الاقتصاد يدور خارج منطق القوة البحرية الساحل لا يمنح فقط أرضًا، بل يمنح حقوقًا بحرية ممتدة مياه إقليمية، منطقة اقتصادية خالصة، موارد، جزر، سيطرة على المجال البحري.