
رهان الذهب الأبيض
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*يتزامن الاحتفاء باليوم العالمي للقطن مع محطة مفصلية تستدعي الوقوف مطولاً عند واقع ومستقبل زراعة ما يُعرف بـ (الذهب الأبيض)، خصوصاً في الأقطار التي شكل فيها لعهود طويلة عماداً رئيسياً للاقتصاد الوطني و قاطرة حقيقية للتنمية المستدامة. إن استنهاض هذا القطاع الحيوي لا يمثل مجرد عودة لتقليد زراعي عريق، بل يشكل استراتيجية استثمارية واعدة نحو المستقبل، ترتكز على إمكانات هائلة ومقومات طبيعية وبشرية فريدة قادرة على إعادة صياغة المشهد الاقتصادي الإقليمي والدولي.
*لم يكن القطن في أي يوم مجرد محصول زراعي عابر، بل كان عبر التاريخ شريان حياة ومصدراً أساسياً للعملة الصعبة، حيث استأثر بنسب غير مسبوقة من إجمالي الصادرات في مراحل ذهبية مضت. وتزخر البيئة الزراعية بمقومات نادرة تشمل اتساع المساحات الخصبة، وتوفر شبكات وأنظمة ري مستدامة ومتنوعة بين الري الانسيابي والمحوري، فضلاً عن الخبرة المتراكمة والمزايا التنافسية الفريدة التي يتمتع بها القطن طويل التيلة عالي الجودة، مثل صنف (بركات 90) الذي تلهث خلفه الأسواق العالمية الكبرى لتلبية متطلبات صناعات الغزل والنسيج الراقية.
*إن الهدف الاستراتيجي من إحياء هذا القطاع يتجاوز حدود التصدير الخام؛ فهو يستهدف سد العجز المحلي لتغذية الصناعات الوطنية المتعثرة، فضلاً عن تلبية الاحتياجات المتصاعدة للأسواق الصناعية الكبرى في آسيا والشرق الأوسط، والتي تعاني اليوم من تداعيات نقص الإمدادات العالمية الناتجة عن التغيرات المناخية. وتؤكد الدراسات الاقتصادية والمالية المتخصصة أن الاستثمار في هذا المجال يتسم بجدوى عالية ومردود إيجابي سريع على المدى القصير والمتوسط متى ما اقترن بإدارة احترافية واعية ومتطورة.
*تتحرك الأسعار العالمية للقطن الخام ومشتقاته ضمن مستويات تنافسية توفر هوامش ربح مجزية مقارنة بالتكاليف التشغيلية.. ومع معدلات إنتاجية واعدة للفدان تتراوح بين 600 إلى 1200 كيلوغرام، تصبح قدرة المشاريع الزراعية على تجاوز نقطة التعادل أمراً يسيراً وضامناً لتغطية التكاليف وتحقيق أرباح صافية، فمن ناحية عائد الاستثمار (ROI): تشير التقديرات المالية المحسوبة إلى إمكانية تجاوز عائد الاستثمار نسبة 20% إلى 25% في الموسم الواحد عند ضبط العمليات وكفاءة الإدارة، وعن دورة رأس المال: تتيح الطبيعة التشغيلية للمحصول إمكانية استرداد رأس المال الثابت بكامل معداته وآلاته خلال موسمين فقط في حال توفر الإدارة الفعالة، وأما هيكل التكاليف: تنقسم التكاليف بوضوح بين رأس المال التشغيلى الموسمي (البذور، الأسمدة، المبيدات، وأجور العمالة) ورأس المال الثابت، مما يسهل عملية الرقابة المالية ورفع كفاءة الإنفاق.
*لا شك أن مسيرة إحياء قطاع استراتيجي بهذا الحجم لا تخلو من تحديات، إلا أن التخطيط الاستباقي يقدم مصفوفة متكاملة لتحويل التحديات إلى فرص. فعلى صعيد التغيرات المناخية، يتم اعتماد أنظمة ري مرشدة بالتنقيط والرش، إلى جانب استنباط واختيار أصناف مقاومة للجفاف وتبني أساليب الزراعة الحافظة للرطوبة. وفي مواجهة الآفات الزراعية، يُصار إلى تطبيق برامج متكاملة لإدارة الآفات وتناوب المبيدات بوعي علمي وفني دقيق.
*أما فيما يخص تقلبات الأسعار وضعف التسويق، فتقدم آليات الزراعة التعاقدية وتوقيع العقود المسبقة صمام أمان حقيقي، إلى جانب تنويع المنتجات بالاستفادة من البذور والزيوت والبيع عبر البورصات المنظمة. كما يتم التعامل مع معضلات البنية التحتية والمخاطر التشغيلية عبر اختيار مواقع قريبة من المحالج والأسواق، وبناء مخازن ذكية، وتأمين استقرار المشاريع بالتعاون المجتمعي الوثيق وتنويع المحافظ الاستثمارية.
*يمتد الأثر الإيجابي لهذا القطاع ليشمل جوانب تنموية واجتماعية وبيئية بالغة الأهمية.. فمن الناحية الاجتماعية، يمثل القطن رافداً أساسياً لإنعاش المجتمعات الريفية من خلال توفير فرص عمل موسمية ضخمة (تتراوح بين 40 إلى 60 عاملاً لكل 100 فدان في مواسم الذروة)، مما يسهم في رفع مستويات الدخل الفردي وتحريك عجلة الأنشطة التجارية وقطاعات النقل المساندة.
*ومن الناحية البيئية، يتطلب التوسع المستدام التعامل بحكمة مع الاستهلاك المائي عبر تقنيات الترشيد، واعتماد الدورة الزراعية التناوبية مع محاصيل أخرى كالفول والذرة لتقليل إجهاد التربة والحفاظ على خصوبتها، فضلاً عن تعزيز استخدام الأسمدة والمبيدات العضوية للحد من التلوث وحماية النظم البيئية على المدى الطويل.
*إن التحليل الشامل لواقع ومستقبل زراعة القطن يثبت امتلاك هذا القطاع لكل المقومات والمحفزات اللازمة للنهوض مجدداً ليصبح قاطرة قوية للتنمية الاقتصادية.. إن نجاح الإدارة الميدانية، واستخدام التقنيات الزراعية الحديثة، وتأمين التمويل الملائم عبر القروض الميسرة أو الشراكات الاستراتيجية، كلها عوامل قادرة على إعادة رسم الخريطة العالمية للإنتاج والتصدير.. ولا ينبغي أن يتوقف الطموح عند حدود تصدير المادة الخام، بل يجب أن يمتد بجرأة نحو إحياء وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بالغزل والنسيج وإنتاج الزيوت، لخلق قيمة مضافة هائلة تعزز ركائز الاقتصاد الوطني وترسيخ دعائم الاستقرار والرفاه المستدام.