آخر الأخبار

(أصداء سودانية) مع د.معاوية محمد الحسن قيلي الحائز على جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي (٣-٣)

قيمة الكتابة الحقيقية تنبع من كونها تأتي كنتاج لرهق ومعاناة وجنون الكاتب قبل أي شيء آخر
________
من يكتب لأجل حصد الجوائز والشهرة والبرستيج يجب عليه أن يتوقف عن الكتابة فوراً
_________
إمتدت قراءتي إلي الادب الروسي فعشقت دوستوفسكي الكاتب العبقري
_________
حوار/فائزة إدريس
______
تلك المرأة إذن
سليلة الحزن والذكريات المريرة ذات الفؤاد الشفيف والذاكرةالمتصدعة، في الداخل وهي منكفئة حول المنضدة والبصر معلق في تضاعيف الفراغ، كأنهاستشعل من أنينها جذوة للصباح والأحلام. وحيدة وهي تخطو نحو الخمسين. صموتة دائماًويرى وجهها وهو يطفح بحريق نكبات و معارك كثيرة .
(بورتريه لإمرأة لاتنتظر أحدا)
كل عبارة من ذلك الوصف الدقيق المتدثر بالمعاني العميقة، لاتكن مغالاة إن قلت أنها قصة لوحدها(سليلة الحزن والذكريات المريرة)…. الخ، تجعل القارئ يحلق في خيالٍ خصب ويطلق العنان لأفكاره بعد ذلك…
فلا ريب أنّ من خطّ بنانه تلك القصة كاتب حاذق متمرس، ذو قلم سيال، إستحق بجدارة أن يفوز عن تلك المجموعة القصصية الماتعة (بورتريه لإمرأة لاتنتظر أحدا) بجائزة عبقري الرواية العربية الأديب الطيب صالح،
ألا وهو القاص والناقد دكتور معاوية محمد الحسن قيلي الحائز على جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي عام ٢٠١٦، وهو أستاذ جامعي، رئيس قسم اللغة الإنجليزية بكلية الإمام الهادي، فضلاً عن ذلك عضو مؤسس لنادي القصة السوداني ورئيس لجنة التحكيم لجائزة الطيب صالح للقصة القصيرة للشباب في دورتها الثالثة عشر مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي ٢٠٢٣،له مجموعة من الأبحاث والدراسات المنشوره باللغة العرببة، إضافة للعديد من الترجمات الأدبية، كما لديه أيضاً بحوث ودراسات علمية منشورة باللغة الإنجليزية. أعماله الأدبية المنشورة مجموعة قصصية (بورتريه لإمرأة لاتنتظر أحدا)، وله أعمال أخرى قيد النشر، وهي:رواية زنيم الغبشاء ومجموعة قصصية بعنوان جنازة آخر الليل. فكان لنا معه هذا الحوار، فإلى مضابطه.
** ماذا تعني اللغة العربية لك كأديب ومثقف وهل يقلقك حال اللغة اليوم؟
_________
*كما هو معلوم فإن اللغة وبشكل عام تلعب دورا محوريا في الادب، بل ان دور اللغة يتخطي الادب إلى كافة ميادين الوجود الانساني الأخرى وبالنسبة لي فإن اللغة العربية، لغة بالغة الثراء والخصوبة َوبشكل خاص فيما يتعلق بمجالات البويطيقيا والتعبير الجمالي لكنني أحس أن دورها الحضاري قد تراجع كثيراً في العالم المعاصر بسبب هيمنة لغات اخرى كالانجليزية التي هيمنت بصورة مطلقة علي ميادين الفكر والثقافة والعلوم َ وَذلك كله، وكما هو معلوم، بسبب الطفرة التي حدثت في ميادين العلوم المختلفة وفي مجال تكنولوجيا الاتصالات الحديثة و التي حمل الغرب لواءها كما هَو معلوم مما جعل تاثير العربية محدودا للغاية، وبالإضافة الي هذا كله فإننا ما نزال نشهد انحطاطا لغويا مريعاً فيما يتعلق بإستعمال العربية وتداولها وسط المتحدثين الاصليين بهذه اللغة وينعكس هذا الانحطاط وبشكل أساسي في أساليب وتعبيرات اللغة المستعملة والرائجة في منصات التواصل الاجتماعي والتي غدت مؤخراً منابر ثقافية شعبوية أكثر من كونها أوعية نخبوية للمثاقفة.
** بما أنّك خضت غمار الترجمة الأدبية ولك باع طويل في هذا المجال ألم تراودك فكرة ترجمة مجموعتك القصصية( بورتريه لإمرأة لاتنتظر أحدا) الفائزة بجائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي للإنجليزية؟
________
*الترجمة الادبية عملية إبداعية من نوع خاص فهي تضع المترجم في مواجهة مع النص،ليس بإعتباره عملاً لغوياً ولكن بإعتباره منجزاً جمالياً ينبغي ان يخضع لقدر عال من الإبداع اثناء نقله الى لغة اخري وثقافة اخري وبالتالي فإن الترجمة الادبية هنا يمكن النظر اليها كعملية إنجاز جمالي اكثر من كونها نشاطا لغويا ، وبالنسبة لي فان مجموعة( بورتريه) قد كتبت و قرئت في لغتها الأصلية وانا سعيد بهذا وسعيد ايضاً كونها قد حازت تقدير لجنة جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي ولكنني لم افكر مطلقاً في ترجمتها الى أي لغة لانني أؤمن ان الكاتب لا يمكن ان يقوم بدور المؤلف والمترجم لعمله في آنٍ واحد ولكن لو أن احد المترجمين راي انها تستحق الترجمة وقام بذلك فسأكون اكثر سعادة وغبطة بلا شك .
** من وجهة نظرك هل الجوائز أمر ضروري لشهرة الكاتب أو العمل الفائز بالجائزة؟
_________
*يعتقد كثير من أدعياء الادب ان الكتابة الإبداعية تمثل برستيجاً إجتماعيا ولذلك فانهم يسعون وراء الجوائز الادبية ويعتقدون ان نيل جائزة ما هو بمثابة جواز مرَور الي عالم الادب، وبرغم كوني قد حظيت بنيل جائزة مرموقة إلا انني اشعر صادقا ان الجائزة ماهي الا خطوة صغيرة في مشوار طويل تكتنفه الصعاب واعتقد ان قيمة الكتابة الحقيقية تنبع من كونها تأتي كنتاج لرهق ومعاناة وجنون الكاتب قبل أي شيء آخر، لانها حينئذ تمثل صرخة المبدع في وجه القهر والحرمان.إنها فعل تكويني ..،بناء داخل النص وخارجه وهي قبل هذا كله طريقة للعيش والحياة ..إنحياز غير مشروط لقضايا الانسان الوجودية..إنها معركة كبري لايخوض غمارها إلا أصحاب الموهبة الحقيقيين . إن الكتابة المبدعة الخلاقة ليست مجرد محاكاة للواقع الاجتماعي ولكنها مراة الذات التي تتجلي فيها الاعماق وهي لاتنفك باي حال من الاحوال عن رحلة الشقاء المعرفي وعن مكابدة آلام الخلق الفني ..واستناداً إلى هذا فإن من يكتب لاجل حصد الجوائز والشهرة والبرستيج يجب عليه أن يتوقف عن الكتابة فوراً، فبريق الجوائز لايدوم طويلاً إن لم تكن كتابة المبدع تعبر عن موهبة حقيقية ولذلك لا يجب ان تكون الجوائز هي الهدف الاساسي الذي يسعي اليه الكاتب، فإن من يستهدف صيد الجوائز وحدها هو بالتأكيد شخص مدفوع بالوهم وبتصخم الذات،اما من تبوأ مقعداً في جحيم السطور والصفحات وغرقت نفسه في بحار التيه والذهول والتفكير المبدع الخلاق واراد ان يعبر عن نفسه تعبيراً صادقاً ولا يبتغي عرضاً غير الكتابة فإن إبداعه وحده هو الذي سيبقي !!
** لمن تقرأ من الكُتاب على الصعيدين العالمي والمحلي؟
_________
*هنالك كتاب كثيرون رافقوا مسيرة قراءتي المتواضعة، فعلى صعيد الادب العربي الحديث كان هناك طه حسين ونجيب محفوظ ويوسف ادريس وعبد الرحمن منيف وجبرا ابراهيم جبرا والطيب صالح ومؤخراً أيضا وقعت في محبة شاعر القصة القصيرة يحي الطاهر عبدالله، َوعلي مستوى الادب العالمي إكتشفت منذ أيام الدراسة الجامعية جيمس جويس صاحب يوليسيس و جورج اورويل وادغار الان بو وفرجينيا وولف وارنست همنغواي وفي أدب امريكا اللاتينية وجدت نفسي معجباً بشكل خاص بماركيز وكاتب آخر اسمه خوان رولفو وامتدت قراءتي كذلك إلي الادب الروسي فعشقت دوستوفسكي الكاتب العبقري الذي سحر الملايين حول العالم بفنه الرفيع وعلي المستوى المحلي قرأت عيسي الحلو وعلي المك وابراهيم اسحق وبشري الفاضل وعثمان الحوري وعادل القصاص، اما علي مستوي الذين جايلتهم وعايشت بعضاً من تجاربهم عن قرب فيعجبني مثلا عمر الصايم واحمد ابو حازم وشاذلي شقاق والهادي راضي ومحسن خالد(لا أدري لماذا توقف عن الكتابة؟ ) بالاضافة لكتابة عدد كبير من الاصدقاء الرائعين لا يتسع المجال لذكرهَم .