هي وهو والسّيجارة
سهام حمّودة – تونس:
حاولت التدخين مراراً فلم أجد ما يغريني بالمداومة عليه – أجاثا كريستي..
كان يراقبها وهي تعدّ طاولة الطعام من خلف مدخنته المتداعية. كم من سيجارة عليه أن يدخّن حتى لا يشعر بوجودها الهادئ؟ حتى تضيع في الدخان وتضلّ طريق العودة إلى مرافئه. لقد مرّ عام على زواجهما، ولم تحصل بعد على جنسية زوجتي الحبيبة في وطنه. فهو ما زال يجلس وحيدًا كأعزب، يضحك كأعزب، يغضب كأعزب، يفكّر كأعزب، وينام كأعزب. أذعن لرغبة أمه في تزويجه كرهًا بغير رغبة منه، وهو لا يفهم سبب اختيارها له زوجة من بين كل الصبايا اللواتي عرفهن أو تعرّف عليهن. ولم يسألها قطُّ عن السبب، ولن يسألها حتى لا يكدّرها
العشاء جاهز
نادته من خلف الضباب. كان صوتها ناعمًا. شعر كأنه بحّار مسكين تحاول حورية جره إلى شراكها بغنائها العذب، لتحطم قاربه على صخورها الجائعة
الغداء جاهز؛ العشاء جاهز؛ لقد أعددت لك الشاي كما تحبّه؛ هل القهوة مرّة؟ كم قطعة من السكر أضع في قهوتك؟ هل يمكنني زيارة أمي غدًا صباحًا؟ صباح الخير؛ تصبح على خير كانت هذه الكلمات الوحيدةَ التي تعلّمتها لتعبر إلى وطنه كمهاجر غير شرعيّ دون أن يتمّ ترحيله
لا أشعر بالجوع
كان يودّ لو يسمعها كلمات غير الكلمات التي تعوّد سماعها، ولكنه لا يعرف الارتجال. ولم يكن أبوه الذي يعشق قراءة الجرائد القديمة ومشاهدة مباريات القدم في المقهى يعرف الارتجال أيضًا. فكان يردّد على مسمع أمه كلمات ورثها عن جدّه وأورثها إيّاه. كيف تشعر المرأة بقدوم العيد في وطن لا يجيد فيه الرجال إلا ترديد الكلمات الرثّة؟ شعر بالسوء تجاهها. فلقد كانت طاولة الطعام المكان الوحيد الذي يجتمعان فيه معًا. في ذلك المكان، عرف ما هو لون عينيها لأول مرة. كانتا بلون العسل
هذا بسبب السجائر. فهي تمنحك الشعور بالشبع
قالت وهي ترمق أعقاب السجائر في المنفضة بعتاب. فلقد أمضت ساعات وهي تجهّز الطعام، ونصف ساعة وهي تتزيّن
لقد تحسّنت شهية أبي بعد إقلاعه عن التدخين. حتى أن وزنه قد زاد، ولم يعد يسعل كما في الماضي. عليك أن تحذو حذوه قبل أن تفتك بك السجائر. لقد سمعت قصة رجل كانت الديدان تأكل ساقه لأنها تعفّنت من جرّاء مرض أصابه بسبب التدخين، وعن آخر
أنا لا أشعر بالجوع
قاطعها وهو يفتح علبة السجائر، معلنًا بذلك نصر سجائره على وصفات جدّتها وعطر الفانيلا
حسنًا، كما تريد. أنا أيضًا لا أشعر بالجوع
ربما عليك الإقلاع عن التدخّل في شؤون الآخرين، لأنه – كما يبدو – يمنحك شعورًا بالشبع.
أنا أعتذر. لم أقصد التدخّل في شؤونك. أردت فقط أن تعلم أني لا أحبّ رائحة السجائر. فأنا أجد صعوبة في التنفّس، ودخانها الخانق يجتاح البيت
كانت هذه أول مرة تفصح فيها عن مشاعرها الدفينة تجاه سجائره. كانت مزيجًا من الكراهية والغيرة. مرّ عام فقط على زواجهما، ولا يستطيع تذكّر تاريخ عقد قرانهما، بينما يتذكّر تاريخ صنع أول سيجارة
هذا منزلي، وأستطيع فعل كل ما يحلو لي فيه. وإن لم يعجبك المكان، يمكنك الرحيل. فأنا لن أمنعك، ثقي بذلك
كان على وشك قول ذلك، لكنه تخلى عن إرث أبيه وارتجل
أنا آسف
نهض من أريكته التي ورثها عن أبيه، وفتح باب الشرفة المطلة على الحديقة. فعانقته رائحة الياسمين بلهفة بعد غياب طويل. كانت الشرفة تطلّ على حبّ قديم
سوف يبرد العشاء
ابتسم لها. كانت عيناه بلون البحر يبدو أن الأمهات جميعًا يخبرن بناتهنّ أن المعدة هي أقصر طريق لقلب الرجل. سحب نفسًا من سيجارته وهو يحدّق في نملة كانت تحمل نملة ميتة. رفع بصره إليها وأردف قائلاً بصوت حزين:
كانت أمي طاهية ماهرة، ولم يحبّها أبي قطّ. لكنها لم تتوقّف أبدًا عن طهي الأطباق الشهية له. أعتقد أن صاحب هذه المقولة رجل ماكر يحبّ الطعام حبًّا جمًّا. أما أنا، فالسجارة هي حبيبتي الأزلية.
يحبّها كل الرجال، لكن ليس لديها حبيب أزلي، لأنهم جميعًا يموتون قبل قدوم الخريف. فما سر عشقهم لها؟
يعشق الرجل من يشعره بالعظمة في حضرة رجل آخر، ويحب امتلاك ما يمتلكه رجل آخر. والسجارة هي الشيء الوحيد الذي يمكن لليافع والعجوز، والمتعلّم والجاهل، والغني والمدقع، امتلاكه
رفعت حاجبيها متسائلة
وماذا عن المرأة؟
– المرأة لا تعشق هزائم الرجال فخُلقت السجارة لهذا. تدين النساء لها بالكثير
كيف ذلك؟
– ألا يصبّ الأزواج جام غضبهم عليها بدلاً عن زوجاتهم عندما يكون مزاجهم سيئًا جدًا بعد هزائمهم؟ ألا تأخذ أزواجهم – الذين يتذمّرون منهم دائمًا باكرًا؟
أخذ يقلّب سيجارته الملتهبة بين أصابعه الطويلة، ثم أردف قائلاً مبتسمًا:
– تشبه السجارة الأنثى ببشرتها العاجية وملمسها الناعم وحلاوتها القاتلة. غير أنها أنثى استثنائية اكتشفت أقصر طريق لقلب الرجل.
– لقد برد العشاء
قالت في استسلام، ثم انسحبت وعطر الفانيلا، معلنة انتصار السيجارة