أنا وعود الثقاب الأخير في مرايا الحطام
جمال بربري – مصر:
( ١ )
مَرايا الحُطام
لَمْ يَعْرِفِ الفَقْرُ مِيراثَ الفراشاتِ
لَمْ يَقْتَرِبْ مِنْ أَنوفِ الجائعينَ شَذىً
أو نَهْرُ عِطْرٍ بِمَجرى الرُّوحِ قَدْ سالا
نَشَأْتُ في دَرْبِنا المَخنوقِ
حَيْثُ تَموتُ الآهُ في شَفَةٍ
وتَكتمُ الأَجِنَّةُ الصَّرَخاتِ إِجْلالا
رأيتُ مَنْ يَركضونَ لِلموتِ في غَبَشٍ
لِكَيْ يَنالوا عَذابَ اليومِ.. أرتالا
يَغدونَ خُمْصاً.. كأفئدةِ الطيورِ نَوىً
ويَرجِعونَ لِجوعِ الأهلِ.. أَسمالا
بِثَمَنٍ بَخْسٍ.. يَمُرُّونَ باللَّحمِ الموشَّحِ بالنُّجومِ
يَخشَوْنَ لَمْسَ الثُّرَيّا.. بَلْ وإيغالا
هم لاعبو السيركِ
فوقَ المَجاري التي طَفَحَتْ بِمُرِّهِمُ
يَقْفِزونَ من حَجَرٍ.. لِيَجِدوا لِلخُبزِ مَدخالا
يَقذفونَ بِصِبْيَةِ الطُّرقاتِ في زَحَمٍ
لِيَسرِقوا الرِّزْقَ.. أو يَتعلَّموا الحِرَفَ استبسالا
حارَتُنا.. مَنْسِيَّةٌ في دَفاترِ الأفراحِ
يَرمي الكِبارُ عليها الشَّبْكَ.. إِذْلالا
كَيْ لا تَبينَ عوراتُنا الخَجْلى بِمزبلةٍ
أو يَلْمَحَ الرَّكبُ.. أثواباً وسِرْبالا
دَفَنوا الحُطامَ تَحتَ التُّرابِ.. فما
عُدنا نُحِسُّ.. ولا نَحيا.. كَمَنْ زالا
لِذاكَ.. لَمْ أكتُبْ عن الرِّقَةِ المَلْساءِ أَغْنِيَةً
فالجُوعُ لا يَعرفُ التَّزويقَ.. مِثقالا
أنا هُنا.. سادِراً يَنعي بَقِيَّتَهُ
بينَ الأنقاضِ.. آخِرُ مَنْ بَقِيَ مَنْذولاً وإِشكالا
أُنَقِّبُ في جُبَّةِ الأمواتِ عَنْ رَمَقٍ
بَقِيَ يُنَقِّبُ في القاعِ.. لِيَجدَ الإنسانَ أَطْلالا
فإنْ بَحَثْتُم عن الأرواحِ.. مَسْكَنُها
تَحْتَ الثَّرى.. حَيْثُ نَبْضُ الحَقِّ ما زالا
( ٢ )
أنا
عودُ الثقابِ الأخيرِ
المحترقُ في تَنُّورِ الحياةِ المظلمةِ،
ليُضيءَ عتمةَ البطونِ الجائعةِ
أذوبُ بصمتٍ،
ولا يرى الجياعُ سوى رغيفِهم،
بينما أصابعي.. ذابتْ لتصنعَ النورَ لهُم
أُلقي بضلوعي حطباً لفرنِ الجياعِ،
ليأكلوا خبزاً مُعجناً بِعَرَقِ ذلّي،
بينما.. أقتاتُ أنا على جمراتِ حكايايَ المحترقة،
فلا تشبعُ روحي، ولا تنطفئُ النارُ في حشايَ
قديماً
كنتُ أمشي، وبطني تصرخُ جوعاً،
وقلبي يصرخُ حباً.. بقلبٍ يفيضُ لغاتٍ نبيّة،
وجيبٍ يفيضُ هواءً.. كأنهُ قبرٌ خاوٍ،
وكنتُ القاصَّ الأبلهَ، أبيعُ دمَ قلبي رسائلاً،
أصوغُ الحبَّ للمترفينَ.. مقابلَ قرشٍ حقيرٍ،
كأنهُ ديةُ قتيلٍ
أو نفسِ تبغٍ رخيصٍ.. أبتلعُ دخانَهُ لأخنقَ دمعي،
وأُهدئَ روعَ الزوايا، وروعَ أمعائي الخاوية
ثيابي بهتْنَ.. كفنٌ يرتديهِ حيٌّ،
ووجري جفَّ.. كضرعِ ناقةٍ ماتَ فصيلُها،
لكنني كنتُ لصاً شريفاً.. لصاً جائعاً،
أُقاسمُ عمَّاً سيداً جهرَهُ وشهقَتَهُ.. والجرائدَ،
أسرقُ منها السطورَ لعلها تُشبعُ عقلي،
وأقبلُ صفعاً.. صفعاً يُطهرُ روحي من خطيئةِ الفقرِ،
كضريبةِ فخرٍ.. للذةِ ذاك التسلّقِ فوقَ المرايا المكسورةِ لعمري
أنا
ابنُ ذاك الفقيرِ، الذي ظلَّ يخبزُ وجعَهُ طوالَ عمرِهِ،
ويعجنُ طينَ الطريقِ بدموعِهِ.. بدموعِ وجهٍ رَقِيٍّ لم تكسرهُ الحياةُ،
أبي
حينَ وزَّعَ ثوبَ أمي لعلَّ الثوابَ يحلُّ على روحِها،
لم يوزع قماشاً.. يا رفاقي
بل كانَ يوزعُ شرايينَهُ في البلادِ،
لعلَّه يخففُ ثقلاً أصابَ الحنايا، وثقلاً أصابَ صدرَهُ العاري،
فخاصمتُهُ.. خاصمتُهُ بجهلِ اليتيمِ،
كنتُ طفلاً غبياً يظنُّ الثيابَ هي الروحُ، هي الحضنُ، هي الأمانُ،
ويجهلُ كيفَ يموتُ الشجرُ واقِفاً.. لتبقى بقايا الذكرياتِ تُحرقُ القلوبَ
أنا
يا رفاقي أعيشُ مسخاً.. أعيشُ بما لا يشابهُ كوني،
أبيعُ السنينَ.. قطرةً قطرةً.. لربِّ عملٍ سادِيٍّ،
يُعلمني الجبنَ قهراً.. يكسرُ عمودي الفقريَّ،
وصوتُ صغاري، وسوسُ الغلاءِ الذي ينهشُ عظامي،
أشدُّ هديراً من الشعرِ.. أشدُّ هديراً من صرخةِ غريقٍ،
أفتكُ وقعاً من الأبجديةِ في المستحيلِ، وأفتكُ من رصاصةِ قنّاصٍ
أنا اليومَ.. تمثالُ عجين جفَّ على رصيفِ النسيانِ
فنخرَهُ سوسُ الأيامِ القاسي، كأنهُ ينخرُ في ضلوعِ ميتٍ،
ولم يتركِ الموتُ فيهِ بقايا صالحةً للحياةِ، ولا حتى للقبرِ
أنا
صريحٌ حدَّ العزلةِ.. حدَّ الموتِ صمتاً،
وثائرٌ حدَّ الصمتِ.. حدَّ الانفجارِ في وجهِ المرآةِ،
أحملُ جثتي فوقَ كتفي.. وأمشي بها في جنازتي،
بليلٍ طفوليٍّ.. أتوهُ فيهِ.. وأبحثُ عن أمي،
وأرجو.. أتوسلُ لكلِّ شيءٍ
لو أني أضعُ جسدي جانباً.. كما نخلعُ الثيابَ الباليةَ،
وأستريحَ قليلاً.. قليلاً جداً
من خُبزِ الحياةِ المغموسِ بالذلِّ.. ومُرِّ النوايا، ومُرِّ الأيامِ الباقيةِ