آخر الأخبار

العلاقات السودانية المصرية.. التأشيرة بين المعاناة والأمل (2–5)

 أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*من واقع المعاناة اليومية إلى أفق الإصلاح المؤسسي، محاولة لقراءة هذا الملف الحساس باعتباره نقطة ارتكاز لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين على أسس من العدالة والكفاءة والوعي الإنساني.

*في فضاء العلاقات بين الدول، قد تبدو التأشيرة إجراءً بسيطًا في ظاهره، محدود الأثر في سياقه الإداري، غير أن حقيقتها تتجاوز ذلك بكثير؛ فهي في جوهرها اختبار دقيق لمدى قدرة الدول على الموازنة بين مقتضيات السيادة ونداءات الإنسانية، وبين صرامة القانون ورحابة الرحمة. وفي الحالة السودانية المصرية، يكتسب هذا الملف حساسية مضاعفة، إذ لا نتحدث عن دولتين متباعدتين، بل عن امتداد جغرافي وتاريخي وإنساني متداخل، يجعل من حركة الأفراد بينهما جزءًا من نبض الحياة اليومية لا مجرد عبور عابر للحدود.

*لقد أفرز الواقع الراهن حالة من التوتر الصامت بين ما تفرضه الإجراءات وما يقتضيه الوجدان.. فالتأشيرة التي كان يُفترض أن تكون أداة تنظيم، تحولت في بعض الحالات إلى عقبة ثقيلة، خاصة حين يتعلق الأمر بمرضى تتسابق معاناتهم مع الزمن، أو طلاب يطرقون أبواب المستقبل، أو أسر فرّقتها الظروف وتبحث عن لمّ شملها.. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: إذ يصبح الإجراء-الذي وُجد لخدمة الإنسان- سببًا في زيادة أعبائه، بدلًا من التخفيف عنها.

*غير أن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن الدول لا تتحرك في فراغ، بل تُحكم بمنظومات أمنية وسيادية تفرض عليها تنظيم الدخول والخروج وفق ضوابط دقيقة.. لكن الإشكال لا يكمن في وجود هذه الضوابط، بل في الكيفية التي تُطبّق بها.. فحين يغيب التمييز بين الحالات، وتُختزل الحاجات الإنسانية في نماذج موحّدة، يفقد النظام مرونته، ويتحوّل إلى آلة صمّاء لا تُحسن الإصغاء لاختلاف السياقات.

 

*إن العدالة الحقيقية لا تتحقق بالمساواة الشكلية، بل بالإنصاف الذي يضع كل حالة في موضعها المناسب.. فالمريض ليس كغيره، والطالب ليس كالسائح، ومن يسعى إلى لقاء أسرته لا ينبغي أن يُعامل بمنطق الإقامة طويلة الأمد.. إن بناء نظام تأشيرات عادل يقتضي الاعتراف بهذا التباين، وصياغة مسارات مختلفة تُراعي طبيعة كل طلب، بما يحقق الكفاءة دون الإخلال بالبعد الإنساني.

 

*ومن أبرز التحديات التي تعمّق هذا الإشكال غياب الإطار المؤسسي المشترك بين السودان ومصر لإدارة هذا الملف الحيوي.. إذ يُدار في كثير من الأحيان عبر قنوات منفصلة، تفتقر إلى التنسيق والتكامل، مما يفضي إلى بطء في الإجراءات، وتفاوت في المعايير، وضبابية في المعلومات وفي ظل هذا الفراغ، تنمو الظواهر السلبية، وتبرز الوساطات غير الرسمية، ويتحمل المواطن البسيط كلفة التعقيد وضعف التنظيم.

 

*إن الحاجة الملحّة اليوم تتمثل في الانتقال من إدارة تقليدية مجزأة إلى رؤية تكاملية مشتركة، تُترجم عمق العلاقات بين البلدين إلى آليات عملية.. فإقامة منصة تنسيقية موحّدة، تُدار بشفافية وكفاءة، من شأنها أن تُحدث تحولًا نوعيًا في هذا الملف، عبر توحيد الإجراءات، وتسريع البت في الطلبات، وربط الجهات الطبية والإنسانية مباشرة بالجهات المختصة، بما يضمن استجابة فورية للحالات العاجلة، ويُعيد الثقة إلى المنظومة بأكملها.

 

*وفي سياق موازٍ، يبرز التحول الرقمي بوصفه أداة حاسمة في إصلاح هذا الملف.. فاعتماد نظام إلكتروني متكامل لتقديم الطلبات ومتابعتها، وتحديد أطر زمنية واضحة للرد، من شأنه أن يُقلّص التعقيد، ويحدّ من التداخلات غير الرسمية، ويُعزّز مبدأ الشفافية.. كما أن الرقمنة تتيح للمؤسسات بناء قواعد بيانات دقيقة، تساعد في اتخاذ قرارات أكثر كفاءة وعدالة، وتُسهم في توجيه الموارد نحو الفئات الأكثر احتياجًا.

 

*غير أن كل هذه المعالجات، على أهميتها، تظل قاصرة إن لم تستند إلى وعي عميق بطبيعة العلاقات بين الشعبين. فالسودان ومصر لا يجمعهما فقط تاريخ مشترك، بل تربطهما شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والإنسانية، الممتدة عبر الأجيال. وهذا الرصيد لا ينبغي أن يبقى مجرد ذكرى، بل يجب أن يتحول إلى قوة دافعة في صياغة السياسات، بحيث يكون الإنسان في قلب المعادلة، لا على هامشها.

 

*إن الدعوة إلى التيسير لا تعني التفريط، كما أن التشدد لا يعني الحماية دائمًا.. إنما الحكمة تكمن في بناء توازن دقيق، يُحافظ على هيبة الدولة، ويصون أمنها، دون أن يُهدر كرامة الإنسان أو يُثقل كاهله بما لا يحتمل. فحين تُدار الملفات الحساسة بعقلية جامدة، تخسر الدول أكثر مما تكسب، وتتآكل جسور الثقة التي تُعدّ أساس أي علاقة ناجحة.

*ومن هنا، فإن إصلاح ملف التأشيرات ليس شأنًا إداريًا فحسب، بل هو قرار سياسي بامتياز، يتطلب إرادة واعية، ورؤية واضحة، وتنسيقًا مؤسسيًا فعّالًا. كما يحتاج إلى شجاعة في مراجعة السياسات، والانفتاح على حلول مبتكرة، تستلهم التجارب الناجحة، وتُكيّفها مع خصوصية العلاقة بين السودان ومصر.

*في نهاية المطاف، تظل التأشيرة أكثر من مجرد ختم على جواز سفر؛ إنها تعبير مكثف عن فلسفة الدولة في إدارة حدودها، وعن نظرتها إلى الإنسان العابر إليها. فإذا أردنا أن نؤسس لعلاقة أكثر توازنًا وصدقًا، فإن البداية الحقيقية تكمن في إعادة النظر في هذا الملف، وتحويله من عبء إلى فرصة، ومن تعقيد إلى انسياب، ومن معاناة إلى أمل.

*وهنا، عند هذه النقطة تحديدًا، يبدأ الطريق نحو مستقبلٍ واعد… حيث لا تكون الحدود حواجز تعيق الإنسان، بل جسورًا تنظّم عبوره بكرامة وعدالة.