آخر الأخبار

حرب الكرامة وإعادة تشكيل الوعي الوطني السوداني

 

د. ميمونة سعيد آدم

*تشكل الحروب، في لحظات تاريخية فارقة، نقطة انعطاف عميقة في وعي الشعوب، إذ لا تقتصر آثارها على ميادين القتال، بل تمتد لتعيد صياغة الإدراك الجمعي، وتعيد ترتيب الأولويات الوطنية.. وفي الحالة السودانية، تمثل (حرب الكرامة) واحدة من تلك اللحظات المفصلية التي وضعت الدولة والمجتمع أمام اختبار وجودي، ليس فقط من حيث البقاء المادي، بل من حيث تعريف الذات الوطنية وحدود الانتماء ومسؤولية الحفاظ على الكيان العام.

*لقد كشفت هذه الحرب، التي اندلعت في سياق معقد من التداخلات السياسية والعسكرية، عن حجم التحديات التي تواجه الدولة السودانية، خاصة في ظل ما وصفه كثيرون بتجاوزات جسيمة طالت البنية التحتية والمؤسسات المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمرافق الحيوية.. هذه الاستهدافات، التي مست حياة المدنيين بشكل مباشر، لم تعد مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل تحولت إلى صدمة جماعية ساهمت في إعادة تشكيل الوعي الوطني، عبر إدراك خطورة الانزلاق نحو تفكيك الدولة من الداخل.

*إن استهداف المستشفيات والمنشآت المدنية، بما تحمله من رمزية إنسانية ووظيفية، لعب دورًا حاسمًا في تحفيز الشعور الوطني لدى قطاعات واسعة من السودانيين.. فهذه المؤسسات تمثل، في الوعي الجمعي، خطوط الحياة الأساسية التي لا ينبغي المساس بها تحت أي ظرف، حتى في سياق الحروب.. ومن هنا، فإن الاعتداء عليها ساهم في بلورة قناعة متزايدة بأن ما يجري يتجاوز حدود الصراع التقليدي، ليصل إلى مستوى تهديد شامل للدولة ومقوماتها.

*في هذا السياق، برزت ملامح وعي وطني جديد، يقوم على إعادة تعريف مفهوم الدولة بوصفها إطارًا جامعًا لا يمكن الاستغناء عنه، مهما كانت الخلافات السياسية أو الاجتماعية. هذا الوعي لم يتشكل فقط نتيجة المعاناة، بل أيضًا نتيجة إدراك متزايد بأن البديل عن الدولة هو الفوضى، وأن الحفاظ على المؤسسات، وفي مقدمتها القوات المسلحة، يمثل شرطًا أساسيًا لبقاء السودان ككيان موحد.

*ولا يمكن الحديث عن إعادة تشكيل الوعي الوطني دون التوقف عند دور الإعلام، الذي أصبح أحد أهم الفاعلين في هذه المرحلة. فقد لعب الإعلام، بمختلف وسائطه التقليدية والحديثة، دورًا مزدوجًا: من جهة، كان أداة لنقل الحقائق وكشف الانتهاكات، ومن جهة أخرى، كان ساحة للصراع على الرواية وتشكيل الرأي العام.. وفي ظل هذا الدور الحساس، تبرز مسؤولية الإعلاميين في التعامل مع المعلومات بدرجة عالية من المهنية والوعي.

*إن الإعلام الوطني، في أوقات الأزمات، لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يتعداه إلى الإسهام في بناء خطاب وطني جامع، يعزز من قيم الانتماء والتماسك، ويحد من خطاب الكراهية والانقسام.. وهذا يتطلب تبني معايير صارمة للتحقق من المعلومات، وتجنب الانجرار وراء الشائعات أو الحملات الموجهة التي قد تسهم في تعميق الأزمة بدلًا من حلها. كما يتطلب أيضًا تسليط الضوء على النماذج الإيجابية من التضامن المجتمعي، بما يعزز الثقة في قدرة المجتمع على تجاوز المحن.

*ومن جهة أخرى، فإن الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، رغم ما توفره من سرعة وانتشار، تمثل تحديًا إضافيًا، نظرًا لسهولة استخدامها في نشر المعلومات المضللة.. وهنا تبرز أهمية رفع مستوى الوعي الإعلامي لدى الجمهور، بحيث يصبح المواطن نفسه قادرًا على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمغلوطة، ولا يكون مجرد متلقٍ سلبي لما يُنشر.

*إن تشكيل الوعي الوطني في هذه المرحلة يتطلب أيضًا تضافر جهود مختلف الفاعلين، من مؤسسات الدولة، إلى النخب الفكرية، إلى المجتمع المدني.. في تقديم خطاب واضح وشفاف، يعترف بالتحديات ويطرح رؤى واقعية للحلول، بينما تقع على عاتق النخب مسؤولية تفسير الأحداث وتقديم قراءات عميقة تساعد الجمهور على فهم الحقائق وغلق الباب اما غرف التضليل التي تعمل من اجل تفكيك المجتمع السوداني وضرب التماسك والانتماء الذي حظيت به القوات المسلحة مع شعبها.

*كما أن التعليم، بوصفه أحد أهم أدوات تشكيل الوعي، يجب أن يلعب دورًا في ترسيخ قيم المواطنة والانتماء، وتعزيز فهم التاريخ الوطني والتحديات الراهنة. فالأجيال القادمة تحتاج إلى إدراك ما جرى، ليس فقط كأحداث، بل كدروس يمكن الاستفادة منها في بناء مستقبل أكثر استقرارًا.

*وفي هذا الإطار، لا بد من التأكيد على أن الوعي الوطني لا يتشكل فقط عبر الخطاب، بل أيضًا عبر الممارسة.. فالتزام المواطنين بالقانون، ودعمهم للمؤسسات، ومشاركتهم في جهود الإغاثة وإعادة البناء والتعمير، كلها مظاهر عملية لهذا الوعي. كما أن رفض الانتهاكات، يمثل جزءًا أساسيًا من بناء ثقافة وطنية قائمة على احترام الإنسان وكرامته.

*يمكن القول إن (حرب الكرامة) رغم ما حملته من معاناة وخسائر، قد أسهمت في تحفيز عملية عميقة لإعادة تشكيل الوعي الوطني السوداني. هذه العملية، وإن كانت لا تزال في بداياتها، تحمل في طياتها إمكانية بناء وعي أكثر نضجًا ومسؤولية، يدرك قيمة الدولة، ويعمل على حمايتها وتطويرها. ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا الوعي إلى قوة فاعلة، تسهم في إنقاذ السودان من أزمته الراهنة، وتمهد الطريق نحو مستقبل أكثر استقرارًا ووحدة.