آخر الأخبار

بصيص

قصة

 

وفاء عمر بن صديق

قاصة يمنية مواليد السعودية

 

انطلق (سعيد) مسرعًا بقدميه الحافيتين اللتين تحملان جسمًا هزيلًا بثوب رثّ مرقّع؛ ليدرك الطابور قبل أن يقرع الجرس. وقف بعيدًا خلف تلك الشجرة ينظر إلى هؤلاء التلاميذ بأثوابهم الجديدة، وأحذيتهم البراقة، وحقائبهم الجلدية اللامعة المنتفخة بالكتب. هذا كان دأبه طيلة السنوات الثلاث الماضية، يمنِّي نفسه بأنه سيأتي اليوم الذي سيكون فيه مثلهم واقفًا معهم يردد النشيد الوطني ، يستمع للإذاعة المدرسية وعند انتهائها يتوجه إلى الصف ثم يجلس على مقعد الدراسة. حلم تملكه إلى حد الهوس، فكانت أيامه جميعها عبارة عن طقوس تجهيز لاستقباله ، فخبأ الدفتر الذي حصل عليه بعد أن جمع ثمنه من عمله المضني في ورشة السيارات كما احتفظ بالقلم الذي أهداه إياه أحد الزبائن امتنانًا له على عمله الجيد، ووضعهما تحت مخدته في انتظار المبتغى.

رن الجرس إيذانًا ببدء الحصة الأولى. أغلق الحارس بوابة المدرسة، وانتهى المشهد الصباحي حينها جرى كقط مذعور خوفًا من أن يتأخر على (الشيخ رحيم) الذي عاقبه في إحدى المرات بساعات إضافية عندما تباطأ في إصلاح عطل في سيارة جاره. أحرقته الشمس، واشتد به العطش، فجلس لأخذ راحة في زقاق الحي المجاور، لمح عند حاوية النفايات حقيبة بنية الجلد تخلى عنها صاحبها. التقطها نفض الغبار عنها، مسحها بطرف كمه ، حاول فتح قفلها الصدئ الذي انكسر ، فانثال منها غبار تشكل على هيئة شاب يشبهه في الملامح فرك عينيه، ليزيل ماعلق بهما، ابتسم بدهشة لما رآه! رجًلًا مهندمًا، فارع الطول، قوي البنية، حدقتاه تبرقان فطنة، وتملؤه الثقة مد يده محتضنًا كفّ (سعيد) و تلاشى في خطوطه.