آخر الأخبار

المرآة

قصة

 

أنمار رحمة الله / العراق 

لم نكن في قريتنا مهووسين بأشكالنا. فقد كنّا نرى صورنا فقط حين نجلس عند النهر، أو حين تغرق دروب القرية بالمياه عندما يحلُّ فصلا الخريف والشتاء. وذلك لأن أغلب أهل قريتنا كانوا فقراء ومُعدمين. وكانت أثمان المرايا باهظة الثمن. ولا يوجد أحد يعمل في صنع المرايا ولا التجارة في هذه السلعة. لهذا قرر بعض المتمكنين في القرية أن يصنع لنا حرفي ماهر جاءوا به من مدينة بعيدة مرآة. مرآة كبيرة سيتمُّ وضعها عند ساحة، تنتهي عندها جميع دروب القرية المتربة. لكي لا يُحرم الفقراء من النظر إلى أشكالهم، وتكون صدقة جارية لمن لا يجد في كوخه مرآة يرى شكله من خلالها. ومنذ أن تم وضع المرآة، صار الوقوف أمامها بالدور طقساً يومياً. أول شخص يقف أمام المرآة شيخ القرية وأتباعه، حيث يطالع الشيخ وكلُّ فرد معه عُقُلَهم ويشاميغهم، قبل الذهاب إلى مَضيفه حيث يستقبل الناس. ثم يأتي دور الضابط العسكري الغريب الذي يرأس إحدى نقاط العسكر المحاذية للقرية. حيث يركن سيارته وينزل برفقة حارسيْن، يعدّلون ويتأكدون من أناقة هندامهم وقيافتهم العسكرية، من البيرية في أعلى الرأس وحتى البسطال الذي يبتلع القدم، قبل الذهاب إلى ساحة العرضات حين ينتظره جنوده. ثم يأتي دور شيخا لمسجدين في القرية، حيث يتأكدان من وقار زيّهما قبل الذهاب إلى إلقاء دورس وخطب كل في مسجده. اضافة إلى طلّابهما الذين يدرسون عندهما، والذين يتبعون أستاذيهما خطوة بخطوة، ولا يجتمعون للصلاة سوية حتى في يوم الجمعة. ويرتدون ثياباً كالتي يرتديها شيخ كل طائفة منهم. ثم يأتي دور الأطفال الذاهبين للمدرسة، والمعلمون، وموظف في السكة الحديد تربطني به قرابة من جهة الأم، والطبيب المقيم وبعض الموظفين في مستوصف القرية. كل هؤلاء الذين ذكرتهم والذين نسيت آخرين ربما ولم أذكرهم، كانوا يمتلكون مرايا في منازلهم!!. ولا أدري لماذا يزاحمون الفقراء أمثالي. أعني باقي أهل القرية من النساء والفلاحين والحوذيين والحمّالين والبائعين المتجولين؟!!. النساء كنَّ يستحين من النظر إلى أنفسهن في المرآة. فلا يمرّن عليها إلا وهنَّ متلفّعات بأغطية الرأس والعباءات. أما الباقون فقد كانوا يستحون من النظر إلى أشكالهم في المرآة كما يبدو. لأنني حين أخبرت أبي الذي كان يعمل حوذياً بالطابور الذي يقف لرؤية شكله عند المرآة، قال لي كلاماً مازلتُ أذكره، فقد كان يصف الناس الذين ذكرتهم بالمترفين وذوي أشكال جميلة، لهذا يتباهون في النظر إلى أشكالهم في المرآة، ويزاحموننا نحن أصحاب الهندام الرث وتسريحات الشعر الأشعث!!. نحن البسطاء لسنا بحاجة النظر إلى هيئاتنا، لأن المرآة لن تغيّر أشكالنا حتى لو وقفنا أمامها ألف سنة. ومن حينها نمت شتلةُ الحقد في قلبي على تلك المرآة. إنها فضيحة مُعلنة لنا نحن الذين نخشى النظر إلى أنفسنا!!. وهذا هو السبب الذي دفعني للتسلل خلسة صوب تلك المرآة العامة. في ليلة من الليالي حين كان الجميع منشغلين بالتحضير لأحد الأعياد في اليوم التالي. حاملاً في يدي حجراً قوياً، استحوذت عليه من سكة القطار حيث يرصفون حولها تلك الأحجار المدببة السميكة. وتوجّهت بكل حزم صوب المرآة العامة، وضربتها ضربة هشّمتها إلى قطع صغيرة. وحملّت بعض القطع في سلّة كانت أمي تستخدمها للتبضّع. ورحت أجري صوب المنازل المتهالكة. منازل أهل القرية المعدمين الذين كانوا يستحون من الوقوف أمام المرآة، ومزاحمة الأخرين الذين ذكرتهم. ودفعت قطعة صغيرة من المرآة المُهشمة تحت كل باب من أبواب أهل القرية. وأخذت قطعة خاصة بي احتفظت بها، ثم عدت إلى المنزل منتظراً من أبي مكافأتي على ما عملت. لكنني تلقيت بدل المكافأة صفعة احمرّ خدي بسببها. وبدأ أبي يقرّعني ويشتمني لأنني ربما سأجلب له مصيبة. وبقيت طوال الليل أنظر في قطعة المرآة التي عندي، لأثر الصفعة التي صفعني إياها أبي. ثم أخذت القطعة ورميتها لاحقاً في النهر، وكأنني أخفي بتصرفي هذا دليلاً على جريمتي. ثم صحت القرية على خبر تهشيم المرآة. وغضب أهلها المترفون الذين كانوا يقفون بالدور أمامها لرؤية أشكالهم. لقد حرمتهم من أن يروا أشكالهم في صباح العيد، حيث تهندّموا وتأنقوا خارجين لملاقاة بعضهم. تلك المرآة العامة كانت هوسهم الذي أنهاه حجري المدبب، والذي بالمناسبة مازلت أحتفظ به حتى هذه اللحظة. ومرت سنوات طويلة، توسّعت خلالها قريتنا وصارت مدينة متحضّرة. الشوارع والمنازل لم تبق على حالها. بدل الحلّاق صار في مدينتنا صالونات للحلاقة والتجميل. وبدل بائع الملابس الوحيد صارت لدينا محلّات لبيع أفخر أنواع الملابس. حتى أن بعض الوافدين إلى المدينة افتتحوا مراكز للتجميل وتعديل الأنف والوجه والحواجب والشفاه والجسد. وصار الناس يتبارون في مابينهم في عالم الأناقة والجمال. وربما لن يصدقني أحد حين أقول، أنني منذ صفعة أبي لم أر وجهي بتاتاً طوال هذه السنوات. درست وتفوّقت وتخرّجت من الكلية، وصرت أعمل ضمن أدارة لشركة تجارية. توفي أبي وتوفيت أمي، وغادرت منزلنا القديم منذ زمن، وها أنا أسكن في إحدى شقق المدينة. شقة صغيرة ولكنها مريحة ومتكاملة نوعاً ما. مطبخ صغير وجميل، صالة انتظار وغرفة نوم ومكتب وحاسوب وأثاث آخر متوسط الثمن. الشيء الوحيد الذي لم أضعه في شقتي هو المرآة. فكما قلت أنا لم أر وجهي منذ تلك الصفعة. حتى حين أذهب إلى الحلّاق، أظل محدقاً بالأسفل ولا أرفع رأسي. وحين أمرّ على إحدى الشبابيك في الشارع أو مركز الشركة التي أعمل فيها، أشيح ببصري بسرعة. حتى نسيت شكلي تقريباً، وصرت أرتدي ملابسي وأمشط شعري بالحدس والتخمين. والشيء الثاني الذي أريد قوله أيضاً، أنني كما اسلفتُ مازلتُ محتفظاً بالحجر المدبب الذي كسر مرآة قريتنا. ليس هذا وحسب، بل غلّفته بأشرطة زينة، وربطته بحبل ملّون ووضعته على جدار الصالة. وصرتُ حين أخرج وأدلف إلى الشقة أقف أمامه وأنظر لثوان. وكأنه قد صار مرآة بديلة لمرايا العالم كله!!. حتى جاءت اللحظة التي عشتُ فيها قَلَقاً حقيقاً. حين بدأت مشوار حب مع امرأة، واكتمل كل شيء لزواجنا أنا وهي. وبعد أن رتبنا الشقة لكي تكون عشّاً زوجياً لائقاً. رفضتُ أن يكون في المنزل مرآة. فاستغربت خطيبتي، التي وافقت من دون نقاش طويل. وحين تزوجنا عشنا لمدة. وأثناء دخولي للشقة ذات يوم استدرت صوب الحجر لأجد مرآة معلّقة بدلاً عنه!!. تسمّرت في مكاني وأنا أسمع صوت زوجتي التي هتفت، وكأنها تريد لفت نظري لمفاجأة خبأتها لي “تراااااااام”. نظرتُ إلى شكلي للمرة الأولى بعد هذه السنوات. لقد كبرت وتغيّرت كثيراً. وكأنني أنظر إلى شخص أعرفه جيداً، أو رأيته في إحدى أحلامي ونسيته. ومن حينها وقعت أسيراً تحت غواية المرآة. لقد شعرتُ بلذة غريبة!!. وهذا التغيير كله كان بسبب زوجتي. تلك التي جعلتني أرى نفسي بعد طول غياب. وقد كانت مخطئة وأنا أيضاً. لأنني بمرور الوقت بدأت أقف أمام المرآة طويلاً، متفقّداً شكلي الذي صار يكبر يوماً بعد يوم. لقد كنت مرتاحاً في سنوات عمري التي مضت. فقد كنتُ أكبر وأشيخ بصمت من دون أن أدري. ولعل الشيء الوحيد الذي اضافته المرآة لي، هو أنها منحتني نوعاً من مجاراة الموضة والأناقة والاهتمام بالشكل كما يفعل الآخرون. ولكن في الوقت ذاته الذي كنتُ فيه أبدو أنيقاً في الظاهر، كان داخلي رثاً وشاحباً وأشعث!!. فلم يبق أمامي غير أن أهشّم هذه المرآة اللعينة الدخيلة. فبحثت عن الحجر الذي كنتُ أعلّقه قديماً ونسيت أين صار بعد أن وضعت زوجتي المرآة!!. بحثت عنه لكي أرمي به صوب هذه الغاوية اللعينة كما فعلت مع مرآة القرية قديماً. ولما سألتها عن الحجر ومكانه، أجابت أنها رمته لأنه حجر بليد بلا فائدة كان يشوّه منظر الجدار!!. وبعد عراك عنيف ونقاش دار بيننا، هتفت زوجتي بحنق شديد بالعبارة التي تجيدها النّسوة في ذروة أي عراك: إذا كسرت المرآة لن أعيش حياتي مع مجنون مثلك.. اختر إما أنا أو هوسك وجنونك؟!!. وحين قلت لها موافق.. لا أريد العيش معكِ والمرآة سوية، وحملت على المرآة بقبضة يدي التي تحولت إلى حجر، وغرستها في وجه المرآة التي تهشمت وسال الدم من يدي بغزارة. غادرت زوجتي الشقة بعد أن جمعت حقائبها وتركتني وحيداً. في الحقيقة بعد أن هجرتني زوجتي، وعالجت يدي عند مستوصف بعد أن وضعوا ضمادات وجبيرة على أماكن الجروح. لم أفرّط في رمي أجزاء المرآة المُهشمة. كيف يفرّط أحدٌ في رمي ألبوم صور جُمعت فيه لقطات مختلفة من حياته؟!. لقد جمعت الأجزاء الصغيرة ووضعتها بالفعل في ألبوم اشتريته، بالترتيب حسب صورتي وذكرى الحادثة المعكوسة في كل جزء من أجزاء المرآة. وصرت أتسلّى برؤية حياتي في كل جزء من أجزائها. منذ أن خرجت إلى الدنيا وحتى خروج زوجتي من باب المنزل. لكن هذا لا يعني أنني لم أشعر بالندم. الندم على صورة وحيدة بحثت عنها ولم أجدها. فتذكرت أنها مطبوعة في جزء من اجزاء المرآة العامة وقد فرّطت به. نعم بالضبط الصورة المعكوسة في ذلك الجزء الذي رميته في النهر. صورة خدي المُحمر حين صفعني أبي بعد أن كسرتُ مرآة القرية!!.