آخر الأخبار

ما وراء الهدوء…استكشاف نقاء السلام وسط تقلبات الصراع

 

د. الهادي عبدالله ابوضفائر

 

*السلام، تلك الكلمة التي تلوكها ألسنة البشر منذ فجر التاريخ، تبدو في ظاهرها بسيطة، لكن جوهرها عميق، وحقيقتها تتجاوز الحدود التقليدية للمفهوم الشائع.. قد يظن البعض أن السلام يعني وقف الحرب أو نهاية النزاع، لكن في الحقيقة، السلام ليس حالة من السكون أو الاسترخاء في مواجهة القهر. بل هو منهج فكري، و رؤية إنسانية تتجسد في بناء العلاقات على أسس من الاحترام المتبادل، والعزيمة على العيش المشترك رغم الاختلافات.. إنه فلسفة تتطلب من الجميع أن يدفعوا ثمن التضحيات، لا أن يتوهموا أن السلام هدية من السماء، أو حالة يُمكن الوصول إليها بمجرد توقيع معاهدات، أو رفع رايات.

*إن كلمة السلام تصبح فارغة إذا ما اقترنت فقط بالحديث عن وقف العنف. يكون سلاماً هشاً، سطحياً، ينهار عند أول عاصفة. لكن السلام، كما طرحه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد تجنب للشر، بل هو خلق مساحات للخير، فالمسلم هو من سلم المسلمون من لسانه ويده. هذه المقولة لا تعني فقط الامتناع عن الأذى، بل تشير إلى الفعل الواعي الذي يبني ويساهم في خلق بيئة لا تكون فيها الصراعات هي السائدة.. وضع السلام في مرتبة أعلى من مجرد غياب العنف إنه يدعونا إلى التفاعل الخلاق مع الآخر، إلى تحقيق العدالة، إلى احترام الكرامة الوجودية للإنسان.

*في عالمنا المعاصر، حيث تختلط المفاهيم وتتشوش الرؤى حول السلام، يظل من الضروري أن نعود إلى جوهره العميق. السلام ليس مجرد حالة من السكون أو غياب العنف، بل هو قوة خلقية، طاقة متجددة لا تعرف التوقف أو الانقطاع. إنه ليس شعاراً يرفعه الأفراد لوقتٍ عابر، بل هو التزام دائم ومستمر بالتحاور، وبالعيش المشترك، وبالنضال المتواصل من أجل حقوق الإنسان.. السلام ليس حلماً نرنو إلى تحقيقه في عالم ملموس، بل هو مشروع مستمر، يتطلب تضافر الجهود الجماعية وتفانيها، ليظل حيّاً في كل لحظة وفي كل خطوة نخطوها نحو عالم أفضل.

*إذا نظرنا إلى وضعنا، فسنجد أن السلام الذي يُنادى به دائماً قد أصبح له جاذبية معقدة في أذهان الناس.. ففي بلد عاش نزاعات متلاحقة، ومرّ بتجارب مؤلمة من الحروب والصراعات، يصعب الحديث عن السلام كحالة بسيطة.. ولكن في الحقيقة، ربما نحتاج أن نعيد التفكير في معناه، وأن نتجاوز المفهوم التقليدي الذي يرتبط فقط بوقف إطلاق النار.. يجب أن يُنظر إليه ليس فقط من زاوية الحد من العنف، بل من زاوية إعادة بناء النسيج الاجتماعي، إعادة خلق ثقافة الحوار، و إيجاد نظام عادل يعترف بحقوق الشعب، مهما اختلفت خلفياتهم العرقية أو الثقافية أو السياسية.

*تتجسد أزمتنا في التناقض العميق بين الحاجة للسلام و الواقع الذي يفرض حروباً وصراعات مستمرة.. لكن هل نحن في الواقع مستعدون لدفع التزامات السلام؟ هل نحن مستعدون لتقديم التضحيات التي يتطلبها بناء مجتمع مستقر؟ هل نحن قادرون على أن نتجاوز التقسيمات الجهوية، والعداوات التاريخية التي تسيطر على نفوس الكثيرين منا؟.

*إن السلام، لا ينبغي أن يكون مجرد غياب للصراع، إنه رؤية عميقة ترتكز على رد الحقوق إلى أصحابها، وإزالة ظلم المعتدين، ومعاقبة المجرمين، حتى لا يفلت أحد من العقاب. وبعد هذه المحاكمات، يبرز التسامح والعفو كضرورة لتضميد الجراح، وإرساء قاعدة التفاهم العميق بين الجميع، وفقاً لبرنامج العدالة الانتقالية، ليس مجرد خيار بل هو ضرورة إنسانية وحضارية.

*لا يكفي أن نوقع معاهدات، أو نرفع شعارات في الهواء، بل يتطلب الأمر منا جميعاً أن نعيد تشكيل وعي المجتمع، وأن نزرع في قلوب الناس ثقافة جديدة، ترتكز على العيش معاً بكل ما يحمله من احترام وتقدير للآخر.. وأن نعترف بالآخر كجزء لا يتجزأ من نسيجنا الوطني، لا كتهديد أو خصم، بل كرفيق في رحلة بناء مجتمع إنساني موحد.

إذن، هل السلام ممكن؟ نعم، ولكنه ليس الذي نتخيله في سكونه، بل هو الذي يعبر عن حركة مستمرة نحو بناء مجتمع عادل، لا يقتصر على غياب السلاح، بل يتعدى ذلك ليشمل الكرامة الإنسانية في كل زوايا الحياة. التعليم، الصحة، الفرص الاقتصادية، في العدالة الاجتماعية. السلام الذي نسعى إليه يجب أن يكون ذا طبيعة معقدة و مترابطة، فهو ليس نتيجة لمحادثات قمة أو اتفاقات رسمية، بل هو نتيجة لتغييرات عميقة في القلب والعقل.

*اليوم نجد أنفسنا أمام تحدٍّ حقيقي لا يُستهان به. بينما يتسارع العالم نحو العولمة والتشابك الاقتصادي، لا يزال واقعنا محاصراً بين عبء ثقيل من الحروب والنزاعات المتراكمة، والتحديات السياسية التي تقف عقبة أمام بناء دولة مستقرة ومزدهرة. لكن في خضم هذه الظروف العصيبة، ينبثق الأمل في إمكانية إعادة اكتشاف السلام، في عمقه الروحي والفلسفي، ذلك السلام الذي لا يقتصر على غياب الحرب، بل ينبثق من قيم إنسانية خالدة. العدالة، المساواة، والكرامة. وبالتالي، فإن السلام ليس مجرد حلم بعيد المنال، بل هو مشروع حيوي يجب أن يبدأ الآن، خطوة تلو خطوة، مع إدراك عميق أنه ليس مجرد خيار نُقدمه، بل هو ضرورة لا مناص منها لبقاء الإنسان وتطوره في هذا العالم المتشابك.