آخر الأخبار

تسييس القبيلة …الخطأ الذي استفادت منه مليشيا آل دقلو

  • (حميدتي) أغدق على زعماء القبائل بالأموال والعربات لتحقيق غاية حكم السودان بالنسخة (الإماراتية)
  • وزير دولة بالحكم الاتحادي يعترف: كانت مهمتي الاساسية (استرضاء القبائل) لشراء ولاءها السياسي
  • بعد أن تضع الحرب أوزارها كيف سيكون مستقبل المجموعات العربية بكردفان ودارفور التي ساندت (آل دقلو) في مشروعهم الاقصائي
  • القبائل بالخرطوم وجنوب دارفور تتسبب في تعديل دستور 2005م الانتقالي وماذا قال حينها بروفسير غندور؟

تقرير- دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
المتابع للحركة السياسية في السودان ومنذ بداية سنوات الحكم الوطني أو قبلها يلحظ عن كثب الدور الفاعل والمؤثر الذي تلعبه المؤسسة القبيلة في السودان واقول (المؤسسة)لأن القبيلة في السودان كيان تنظمه مجموعة نظم حاكمة له وله بناء إداري منظم يقوم على التراتيبية المعلومة من مستوى الشيخ ثم العمدة (الأمير في بعض القبائل) ثم السلطان أو الملك أوالمك أو الشرتاي أوالفرشة وذلك حسب مسميات كل قبيلة وأعرافها وتقاليدها الراسخة.
وقد لعبت مؤسسة الإدارة الأهلية أدوارا مقدرة بحسب نظمها الخاصة بها, تمثلت في أعمال قانونية كمحاكمة الجناة في القضايا البسيطة وبحسب الاختصاص المحدد لقضاتها في المحاكم التي اصطلح على تسميتها عند عامة الناس ب(محاكم العمد) والمحددة في قانون الاجراءات الجنائية أوالاختصاصات التي حددها قانون المحاكم الأهلية أو منشورات رئيس القضاء, وقد أسهمت الإدارة الاهلية عبر تاريخها الطويل في معاونة السلطات المختصة في بسط هيبة الدولة وضبط المتفلتين وعدم افلات المجرمين من العقاب بالإضافة إلى تحصيل المفروضات المالية المتمثلة في الضرائب (ضريبة القطعان) على سبيل المثال لا الحصر وجمع الزكاة من الخاضعين لها في الحدود الجغرافية داخل اختصاصهم المكاني فضلا عن المساعدة بشكل أساسي في فض النزاعات بين المواطنين من جهة وبين المجموعات السكانية من جهة اخرى (انجاز المصالحات) و(رتق النسيج الاجتماعي ) ودفع (الديات والغرامات والكرامات).
حزمة أخطاء:


الإدارة الأهلية وبرغم أدوارها المقدرة التي لعبتها إلا أنها تعرضت لحزمة أخطاء عبر تاريخها الطويل, ومن بين تلك الاخطاء القرارت التي أصدرها الرئيس الراحل جعفر محمد نميري في بدايات سنوات حكمه(25 مايو1969م6 أبريل1985م) والخاصة بحل الإدارة الأهلية واستبدالها بنظام إداري (الحكم الشعبي المحلي) والذي ثبتت جدواه في الحواضر والمدن بينما ظهرت مظاهر فشله في القرى والفرقان والتي ثبت أن أفضل صيغة لإدارتها هي (الحكم الأهلي) هي الإدارة الأهلية التي كانت سائدة في السودان منذ أزمان طويلة وطورها الانجليز من خلال تطبيق نماذج الدول المشابهة للسودان في المستعمرات البريطانية الاخرى ك(الهند) التي تتشابه مع السودان في مظاهر التنوع السوداني والتعدد الثقافة واللغوي والديني.
وكان القيادي البارز في الحزب الشيوعي السوداني رئيس اتحاد عمال السودان المرحوم الشفيع أحمد الشيخ قد أعد مذكرة حول (الإدارة الأهلية) وقد ثار حولها جدلا كثيفا بين مؤيد لها ومتحفظ عليها ومعارض لها وقد قدمها المرحوم الشفيع إلى مجلس وزراء حكومة جبهات الهئيات بوصفه وزيرا لرئاسة مجلس الوزراء, وقد إنبري قادة وزعماء الإدارة الأهلية للمذكرة التي اعتبروها تمهد لحل الإدارة الأهلية حيث عقدوا مؤتمرا جامعا لهم انتهت توصياته إلى:
-الدعوة لانتهاج منهج قومي لمعالجة قضايا الإدارة الأهلية.
-دمج الحكم المحلي والإدارة الأهلية في هيكل موحد.
-فصل المهام الإدارية لرجل الإدارة الأهلية عن مهامه القضائية (إعمالا لمبدأ الفصل بين السلطات).
وقد نادى عضو الجمعية التاسيسية عن دائرة دنقلا المرحوم الأستاذ علي محمود حسنين أثناء مداولات الجمعية لمذكرة وزير رئاسة مجلس الوزراء بضرور ة فصل القضاء عن الإدارة وذلك بهدف اشاعة الديمقراطية في الريف.
وقد تراجع مجلس الوزراء عن موقفه الدعم للمذكرة نتيجة الضغوط التي مارسها زعماء الإدارة الأهلية, ويبدو إن حل الإدارة الأهلية كان حاضرا في مخلية مدبري انقلاب 25مايو 1969م فكان حلها من أولى القرارت التي صدرت.
وبعد عودة الإدارة الأهلية في النصف الثاني من عقد الثمنينات من القرن الماضي كانت ثمة متغيرات سياسية واجتماعية قد حدثت تمثلت في الآتي:
-خلال فترة حل الإدارة الأهلية 1969م إلى1987م رحل عدد كبير من زعماء الإدارة الاهلية عن الدنيا مما أدى لانقطاع تواصل الأبناء مع الأباء والأجداد.
-خلال عقد الثمانيات شهدت مناطق الإدارة الأهلية الرئيسة في جنوب وغرب كردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض وجنوب السودان أكبر عمليات لتسليح القبائل لمواجهة الحركة الشعبية لتحرير السودانية والتي استمالت لجانبها أيضا بعض القبائل مما أدى لانقسام خارطة القبائل بين الوفاء للحكومة والحركة الشعبية.
-خلال النصف الثاني قام حزبا الأمة والجبهة الاسلامية القومية بتسليح القبائل العربية في دارفور بينما إتجه الحزب الاتحاد الديمقراطي لتسليح القبائل ذات الأصول غير العربية.
-وخلال عقد التسعينات من القرن الماضي زادت حدة تسييس القبائل لاسيما بعد حل الأحزاب السياسية خلال السنوات الأولى من حكم الانقاذ الوطني حيث لجات الحكومة إلى القبائل عبر قياداتها طلبا للسند الجماهيري ولجات القبائل إلى الحكومة لدعمها ودعم مشروعات مناطق نفوذها, ثم بعد أقل من عشر سنوات وبعد قيام تمرد دارفور قامت الإنقاذ بتسليح القبائل العربية بفرضية أن التمرد الذي قادته حركة العدل والمساواة وحركة جيش تحرير السودان قوامها القبائل غيرالعربية (الزغاوة والمساليت).
ضياع السودان:
ومن المفارقات ان الرئيس الراحل جعفر محمد نميري حين حل الإدارة الأهلية كانت دوافعه سياسية وحين عادت مرة اخرى كانت الدوافع ايضا سياسية تلحق لها (داء التسليح) حيث من خافوا النميري زادوا الطين بلة وهاهو السودان يضيع وتهدر موارده وتهتك بنياته التحتية على ضالة حجمها.
القبيلة (كل شئ):


خلال سنوات حكم الانقاذ الوطني يونيو1989م وابريل2019م أصبحت القبيلة كل شئ وقد تعجب البروفسير إبراهيم غندور ورفع حاجب الدهشة في سبتمبر2014م عندما رأي في مدينة نيالا تفاصيل تكتل قبائل (ستفق) والتي تعني قبائل (السلامات وترجم فلانة قمر), والتي تفوق مرشحها داخل المؤتمر الوطني اللواء أمن عيسي آدم أبكر على منافسه اللواء ركن آدم عبدالنبي في منصب والي جنوب دارفور والذي رشحته مجموعة قبائل (هبت),وتعني هبانية وبني هلبة وتعايشة, ثم قرأ بروفسير إبراهيم غندور وهو عائد بالطائرة من نيالا عصر نفس اليوم ترشيحات منصب الوالي لولاية الخرطوم والتي هي الأخرى لحقتها لعنة (تسييس القبائل),فقد رشحت قبيلة الجموعية جنوب أم درمان عمار حامد سليمان (باعتباره ابن القبيلة والمنطقة), ورشحت قبيلة الجموعية شمال المهندس مستشارجودة الله عثمان, ورشحت قبيلة البطاحين الأستاذ صديق الشيخ, ورشحت مجموعات كردفان ودارفور الدكتور فيصل حسن إبراهيم وبعد قراءة البروفسير غندور لهذا الخبر المنشور باحدى الصحف بالطاولة التي امامه بالطاىرة قال (والله لو الحكاية كده لابد من عمل يوقف ما يحدث, القبائل تسيست والمناطق تسيست),وقبل أن ينتهي العام 2014م تم تعديل دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م وتعديل والغاء مواد انتخاب الولاة وأصبح رئيس الجمهورية من يعينهم, ولكن اللافت أن رئيس الجمهورية وقتها قام بتعيين نفس المرشحين لمنصب الوالي بالولايات في ولايات أخرى غير ولاياتهم.
التسييس والتسليح والحرب:
ثم جاء المتمرد حميدتي بعد تغييرات 11أبريل2019م نائبا لرئيس المجلس السيادي وتمكن من تسييس وتسليح المزيد من القبائل لاسيما ذات الانتماء العربي وأغدق على زعاماتها بالأموال والعربات لاستمالتها لمشروعه الذي أراد ان يكمله بافتعاله لحرب 15 أبريل2023م والذي تكشفت معالمه إنه إمارتي التمويل والنسخة.
ويبقي السؤال:
بعد أن تضع الحرب أوزارها كيف سيكون مستقبل المجموعات العربية بكردفان ودارفور التي ساندت (آل دقلو) في مشروعهم الاقصائي؟.
سؤال يحتاج الإجابة, مستقبل المجموعات بكردفان ودارفور بحاجة إلى تسريح, ولابد من مصالحات ومعالجات لتجنب الثارات, ولابد من برنامج (عدالة انتقالية) يمهد لتأسيس مشروع نهضوي وطني يقبل الآخر ويمحي جراحات الماضي.