آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (23)(لاعب الشطرنج) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ع)

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*استرجعت كل سؤال سُئل وكل إجابة أجبتها، وحاولت أن أستشف ما يمكن أن يكون قد سجل في المحضر. ومع ذلك كنت أعلم أنني لا يمكن أن أقدر ولا أعرف ذلك أبداً. لكن الأفكار ما تكاد أن تبدأ في مجال من الفراغ، فلا تتوقف عن اللف والدوران في رأسي، وتعود من أول وجديد بترتيبات مختلفة، وتستمر حتى أنعس. وبعد نهاية كل جلسة تحقيق تتولى أفكاري التعذيب بالأسئلة والنحورة ربما بقدر أكبر من القسوة والإصرار؛ لأن جلسة الاستجواب كانت مدتها تنتهي بعد ساعة أما هذه فلا نهاية لها؛ إذ يطيلها عذاب الوحدة الغادر. ولا أجد من حولي إلا المنضدة والخزانة والفراش وورق الحائط والنافذة ولا شيء يشغل الإنسان: لا كتاب ولا صحيفة ولا وجه إنسان آخر ولا قلم أسجل به شيئاً ولا عود ثقاب ألهو به، لا شيء…. لا شيء.

*الآن فقط أيقنت المفعول الفتاك لوسيلة العزل في غرفة فندقية على نفسية الإنسان لو كنت في معسكر اعتقال لكان عليّ ربما أن أحمل الأحجار حتى تُدمى يداي وتتجمد قدماي داخل الحذاء من البرد، وكنت قد حُشرت مع عشرات البشر نقاسي من البرد والعفونة. لكنني كنت سأرى وجوهاً وأملأ بصري بحقل أو عربة أو شجرة أو نجم أي شيء… أي شيء أتأمله، بدل الأشياء نفسها من حولي، نفسها دون تغير.

*لا يوجد شيء يشتت ذهني بعيدا عن أفكاري وخيالاتي المرضية التي تدور في دائرة مفرغة. ألم يكن هذا هو المراد بالضبط؛ أن أختنق من كثرة الفكر حتى الموت أو حتى فقدان السيطرة في النهاية، فألفظ كل شيء لفظاً، وأعترف بكل ما يريدونه وأسلم المواد والأشخاص؟ شعرت بأعصابي تتراخي رويداً تحت ضغط الفراغ الرهيب، وعصرت ذهني لأجد أو أختلق أي شيء يشغلني حتى كادت أعصابي تتمزق رغم إدراكي هذا الخطر. حاولت – لأنشغل بشيء -أن أتذكر سطوراً مما سبق أن حفظتها لأتلوها أو أستذكرها كأناشيد أو أغاني الطفولة، أو فقرات مما درسناه في المدرسة عن هوميروس أو نص مواد من كتب القوانين المدنية. ثم أخذت أحاول طرح مسائل حسابية، وأقوم بجمع وقسمة أرقام عشوائية، لكن مخي فقد قدرته على الاحتفاظ بشيء في هذا الفراغ. لم أستطع أن أركز في شيء والأفكار تعود وتلاحقني : ماذا يعرفون؟ ماذا قلت بالأمس؟ ماذا ينبغي أن أقوله في المرة القادمة ؟… (يتبع).

نهاية المداد:

سر العبقرية هو أن تحمل روح الطفولة إلى الشيخوخة، ما يعني عدم فقدان الحماس أبداً

(فيكتور هوجو)